مربع نص:  
الطبـعة الأولــى
تموز 2002م

 

 

 

 

 

 

 

زرادشت

و

الديانة الزرادشتية

 

 

 

المقدمة

 

      ازداد الحديث مؤخراً عن حوار وصراع الحضارات، وكذلك عن حوار الأديان، ومع ظهور هذا المصطلح أو هذا المفهوم، ازداد الاهتمام بمختلف الأديان ومن بينها الديانة الزرادشتية، نظراً للدور والتأثير الذي لعبته على هذه المنطقة، وعلى المعتقدات والأديان التي سادت وانتشرت فيها.

ونظراً لقلة المصادر والدراسات باللغة العربية عن هذه الديانة، رغم أهميتها، جاء هذا الكتاب، ليلقي بعض الضوء على أهم جوانبها، وتقديمها بشكل سهل ومبسط، وقد حاولت خلال أكثر من عشر سنوات من البحث والتنقيب، في كل ما وصلت إليه يداي من المراجع والمصادر والأبحاث، عن زرادشت والزرادشتية، التقيد بالمنهج العلمي والابتعاد عن كل ما لا يقبله المنطق، والتوقف عند أهم مظاهر هذه الديانة، وسيرة نبيها وطقوس عباداتها المختلفة، التي اكتنفها الغموض والالتباس نتيجة انحرافها عن مبادئها الرئيسية، أو بسبب تشابه طقوسها مع طقوس وشعائر الديانات الأخرى كالمانوية والمزدكية، وقد ازداد الالتباس أكثر عندما ذهب بعض الباحثين إلى اعتبار الزرادشتية والأيزيدية ديانة واحدة، علماً أن هناك تمايزاً واختلافاً واضحاً بينهما، وإن تشابها في بعض الشعائر أو المظاهر. ولابد من الإشارة إلى أن هذه الديانة لم تكن تسمى بالديانة الزرادشتية بل كانت تسمى بديانة مزديسنا، نسبة إلى الإله مزدا
( آهورا مزدا )، وقد أشار زرادشت إلى هذا الاسم أكثر من مرة في أناشيده، وبها عرفت في عهده وفي العهود اللاحقة، ولكنها عرفت في المصادر العربية والإسلامية باسم الديانة المجوسية، وقد وردت في القرآن باسم المجوس، المعربة عن كلمة مكوسيا " مكوبد، مُغ، لقب رجال الدين "، وفي العصر الحديث عرفت بالديانة الزرادشتية، من باب إطلاق اسم النبي على الديانة التي كان يبشر بها. كما لابد من الإشارة إلى أن زرادشت قال صراحة أنه نبي وأن ما يدعو إليه ديانة إلهية، لذا نراه في معظم أناشيده يناجي ربه آهورا مزدا، لنصرة نبيه، وهو من أطلق كلمة دين على دعوته، فقد وردت في الأفستا وبقية المصادر الزرادشتية (( دئِنا، دئينا )) وقد أطلق هذا اللفظ أولاً على الروح العلوية للمؤمن، ثم على مجموعة الأرواح العلوية، وهي الجماعة التي تتحد في العقيدة، أي جماعة مزديسنا – الزرادشتية –، ومنها تطور المعنى العام للعقيدة التي عبر عنها بكلمة دين فيما بعد.

ونظراً لتشابه المصادر في الإشارة إليها وإلى طقوسها وشعائرها، فقد ثبّتُ في نهاية الكتاب أهم المصادر والمراجع، علماً أنني اقتصرت على أهمها ولم أذكر المجلات والصحف، رغم كثرتها لعدم الإطالة.

مدخل تاريخي

 

 قبل الشروع في دراسة الديانة الزرادشتية، لا بد من إعطاء لمحة موجزة عن الظروف التاريخية التي ظهرت خلالها والمناطق التي انتشرت فيها، قبل أن تتحول إلى الديانة الرسمية لثلاث إمبراطوريات فارسية الأصل (( الإخمينية، البرثية، والساسانية ))، ثم لتصبح إثر الفتح الإسلامي ديانة شبه منسية، قليلة الأتباع، منتشرين في بعض المناطق التي كانت فيما مضى جزءاً من دولة مترامية الأطراف.

هاجرت الشعوب الآرية ( الميديون والفرس ) من موطنها الأصلي، خاصة منطقة الأورال والتي تسميها زند أفستا " آريانا فيكو" (موطن الآريين) في أوائل الألف الأول قبل الميلاد على شكل موجات متتالية، متجهة نحو الجنوب، واستقرت في الهضبة التي عرفت فيما بعد بالهضبة الإيرانية، فسكن الفرس في الجنوب الغربي من الهضبة شرق منابع نهر كارون، على ضفاف الخليج العربي في الإقليم الذي عرف باسم ( بارسوا _ بارس _ فارس ) بينما استقر الميديون في الشمال الغربي من الهضبة، جنوب غرب بحيرة قزوين، وحتى غرب بحيرة أورمية، التي عرفت باسم   ( ميديا _ ميد _ ماد ).

    وقد تأثر الوافدون الجدد بمظاهر حضارة ميزوبوتاميا "بلاد الرافدين" وحضارة شعوب جبال زاغروس، وبعادات وتقاليد ومعتقدات الشعوب التي سكنوا إلى جوارها (( السومريون، الأكاديون، الآشوريون، العيلاميون )) أو التي سكنوا بين ظهرانيها وامتزجوا معها (( لولو _ كوتي _ جوتي _ سوبارتو _ كاساي ))، فاقتبسوا من تلك الشعوب، والذين كانوا أكثر رقياً منهم في بعض المظاهر الحضارية، بعض العادات والتقاليد وحتى بعض المعتقدات الدينية، وعبادة بعض آلهتهم كعبادة " أناهيتا " إلهة الماء وربة الخصوبة، التي كانت تعبد في بلاد الرافدين تحت اسم عشتار.

 أما معتقداتهم ودياناتهم التي نقلوها معهم فكانت تتعلق بتقديس قوى الطبيعة، والإيمان بالآلهة الأخلاقية، وهي مجموعة كبيرة من آلهة الخير والشر، بعضها آلهة خيرة، لا تقوم إلا بالأعمال الخيرة، فالحياة والصحة والرزق والضوء والمطر والزرع والحيوانات النافعة صادرة عن آلهة الخير، أما الموت والمصائب والكوارث والقحط والجفاف، وكل ما يصيب الإنسان من سوء فهي صادرة عن آلهة الشر، لذا كانوا يعبدون ويحبون آلهة الخير لفضلها وإحسانها المحض، ويخشون آلهة الشر ويتحاشون ضررها بتقديم القرابين لها، وإقامة الصلوات ورفع الدعاء إليها، اتقاءً لشرها ولإبعاد خطرها عنهم.

وقد صارت تلك الأدعية والتراتيل والصلوات التي ترفع إلى الآلهة حكراً ومادة أساسية لأعمال رجال الدين والكهان والسحرة، الذين أصبحوا بمثابة وسطاء بين الآلهة والبشر، يستطيعون نيل رضا الآلهة بطقوسهم، أوصب غضبهم وسخطهم على أعدائهم، فارتفعت مكانتهم، وعلا شأنهم اجتماعياً ومادياً.

أما الآلهة الرئيسة التي رافقتهم من موطنهم الأصلي فكانت:
(( ميثرا _ مهر _ مهرا _ الشمس )) والإله " اندرا " إله العاصفة الذي يأتي بالمطر، والإله "آغني" الذي يمثل الشمس في السماء والنار المقدسة في الأرض، والإله " فارونا " إله السماء، والإله " آهورا – آسورا " إله العقد والقانون .

  أما القوى الطبيعية المقدسة فتمثلت في الشمس، والقمر، والأرض، والنار، والماء، والريح، والعاصفة، وبعض الحيوانات، وخاصة النافعة منها ولا سيما الثور "هوما"، وكان الآريون يعتقدون أنه مات ثم بعث حياً، ووهب الجنس البشري دمه شراباً مقدساً، لذا كان يرافق عبادته شرب عصير نبات " السّوما " المسكر الذي كان ينمو على سفوح جبالهم، ويعتقدون أنه يعطي الخلود، فكانوا يمتدحونه في ابتهالاتهم الدينية0

وفي هذا المجال كانت معتقداتهم قريبة من معتقدات الشعوب الأخرى، مع وجود بعض الآلهة الخاصة ببعض المناطق أو بعض القبائل والعشائر أو المدن الرئيسية وحتى القرى لحمايتها، وإذا ما انتصرت قبيلة أو مدينة أو منطقة، على قبيلة أو منطقة أو مدينة معادية، تقوم بتحطيم هياكل وأصنام الإله المهزوم، وتنصب بدلاً عنه أصنام وهياكل آلهتها.

وكانت قبيلة الماكيين الميدية ( Magi ) تقوم بالمهام والوظائف الدينية، إذ كان لها امتياز الرياسة الروحية في معظم المنطقة الغربية من هضبة إيران، في منطقتي ميديا وفارس، فأغلبية رجال الدين والكهنة كانوا من أبناء هذه القبيلة، الذين مارسوا إلى جانب الكهانة، السحر والتنجيم والطب والتعليم، فقد كان الماكيون والذين عرفوا باسم
" آثروان "، أي طبقة رجال الدين، يفتخرون بأنهم جبلوا على خدمة الآلهة.

وكان الشعب الميدي أسبق الشعوب الآرية "الهندو-أوربية" التي استوطنت هضبة إيران إلى إنشاء دولة موحدة وقوية، فبعد أن بسط الميديون سيطرتهم على الشعوب والحكومات المحلية التي سكنت بينها، تمكن الملك الميدي "ديوكيس" ( دايكو )، في النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من توحيد القبائل الميدية ( 27 قبيلة ) وتأسيس الدولة الميدية، واتخذ من مدينة " اكباتانا " ( همذان حالياً في إيران ) عاصمة له، وشكل من زعماء تلك القبائل مجلساً استشارياً له، لإدارة الحكم بمشورتهم، ثم أخذ في التوسع حتى بسط سيطرته على معظم منطقة ميديا وفارس.

وقد أدى التوسع الميدي إلى الاصطدام مع الإمبراطورية الآشورية، التي كانت تبسط سيطرتها على معظم بلاد الرافدين وإيران وبلاد الشام حتى مصر، والتي شنت سلسلة من الحروب على دولة ميديا الفتية، لوضع حد لتوسعها، ولإعادة بسط سيطرتها على المنطقة، ولكن دون فائدة، فقد تحالف الملك الميدي كي أخسار
( 633-584 ق.م ) مع الملك الكلداني نابو بولاصر، وتمكنا معا من القضاء على الدولة الآشورية سنة 612 ق.م واقتسما ممتلكاتها، وكانت حصة الأسد من نصيب الدولة الميدية التي بسطت نفوذها على منطقة واسعة، امتدت من باختريا في شرق إيران (حالياً في أفغانستان ) حتى نهر كاليس غرباً ( ويسمى حالياً نهر قيزيل إيرمق ويقع على بعد 50كم شرق العاصمة التركية أنقرة ) ومن بحر قزوين شمالاً حتى الخليج العربي جنوباً .

 ومع اتساع رقعة الدولة والسيطرة على ثروات الإمبراطورية الآشورية وازدياد مواردها، انتشرت مظاهر البذخ والترف في الدولة، و إثر وفاة الملك كي أخسار، دب الضعف في أركانها لانصراف الملك استياغ (584-550 ق.م ) _ الذي طالت فترة حكمه _ إلى اللهو والبذخ، وترك أمور الحكم لحاشيته، فازداد نفوذ الحكام المحليين الذين استقلوا بولاياتهم مع الاحتفاظ بالتبعية الاسمية للملك، وعظم شأن الكهنة ورجال الدين والمنجمين الذين أحاطوا بالملك وحاشيته، ليبرروا أعمالهم، وليتنبئوا لهم بأوقات السعد في الصيد واللهو، وقد أدى ذلك إلى حل عقد الاتحاد القبلي، والذي حرص الملوك على بقائه، حفاظاً على تماسك ووحدة وقوة الدولة، وضعفت الروح العسكرية، وانفصلت المقاطعات البعيدة عن مركز الدولة، وشكلت بعض المقاطعات حكومات محلية شبه مستقلة.

في هذه المرحلة المضطربة من تاريخ الدولة الميدية ظهر زرادشت، إذا اعتمدنا تاريخ ظهوره بين أعوام 628-551 ق.م، كأقرب الأرقام إلى الدقة حسب رأي أغلب المؤرخين، وأخذ يبشر بدينه الذي سماه (( دين مزديسنا - أو دين مزدا )) أولاً في مقاطعة أورمية مسقط رأسه، بين أهله وقومه، وهم أولى الناس حسب قناعته للإيمان بدعوته، وعندما فشل في إقناع بني جلدته باعتناق الدين الجديد، بحث عن مكانٍ آخر يبشر فيه بدينه، ورغم أنه كان قريباً من العاصمة الميدية "أكباتانا" إلا أنه لم يقصدها، ربما لاقتناعه بأن الملك استياغ، الذي ترك كل شيء حتى أمور الحكم وانغمس في مباهج الحياة وملذاتها، هو أبعد من يناصره ويعتنق دينه ويساعده على نشره، لا لانغماسه في مباهج الحياة فحسب، بل لضعفه وخضوعه لسيطرة الكهنة ورجال الدين والعرافين، الذين سيحاربونه دون هوادة، لأن دعوته تهدد مصالحهم ومكانتهم وامتيازاتهم التي سيفقدونها بانتصار الدين الذي يدعو إليه .

لذلك فضل زرادشت اختيار مكان آخر للتبشير بدينه فيه، وكان اختياره لمقاطعة باختريا "بلخ" موفقاً، فهي تتبع اسمياً للدولة الميدية، ولكنها بعيدة عن مركز الدولة وتآمر المتنفذين وخاصة كبار رجال الدين، وفي مدينة باختريا التي وصل إليها زرادشت مع قلة من أتباعه، بعد رحلة طويلة وشاقة، استطاع زرادشت أن يقنع ملكها كشتاسب باعتناق الدين الجديد، واتخاذه ديناً رسمياً لمملكته الصغيرة، ومن ثم العمل على التبشير به ونشره في المناطق القريبة والمتاخمة لمملكته.

ولم تمض فترة طويلة حتى انتشرت الزرادشتية في أقصى شمال شرق الدولة الميدية، وتوزع أتباعها ودعاتها في أرجاء الدولة يبشرون بها، وتدل بعض الشواهد والدلائل التاريخية على انتشار الديانة الزرادشتية في الدولة الميدية، ولكن ليس على نطاق واسع، وإذا كان نطاق الانتشار محدوداً، إلا أن اسم " آهورا مزدا " أخذ يطفو شيئاً فشيئاً على السطح حتى بدأ الحكام يربطون ألقابهم باسمه.

هذا في ميديا وباختريا، أما إقليم بارس – بارسوا - فكان يخضع، منذ القرن السابع قبل الميلاد، للأسرة الإخمينية التي تسمى في المصادر الفارسية بالأسرة الهخامنشية، وكانت خاضعة للدولة الميدية، ويحكم ملوكها الإقليم نيابة عن الميديين، و كانت الأسرة الإخمينية في فترة ظهور زرادشت ترتبط بالأسرة الميدية المالكة برباط المصاهرة، فقد كان الملك الإخميني كورش حفيد الملك الميدي استياغ من جهة ابنته.

وقد استغل كورش " 559-530ق.م " ضعف الدولة الميدية، وكِبَر سن جده، وتفاقم النقمة عليه، واستياء السكان من حكمه، فثار عليه وشن عليه هجوماً خاطفاً، تمكن من خلاله احتلال العاصمة أكباتانا، وعزل الملك استياغ عن الحكم (( الذي حاول جاهداً استرجاع عرشه ولكن دون فائدة ))، وأسس كورش دولة جديدة عرفت بالإمبراطورية الإخمينية- الميدية، امتدت من الهند شرقاً وحتى بحر إيجة ومصر غرباً.

ومع أن الديانة الزرادشتية كانت قد قطعت مرحلة متقدمة في الانتشار قبيل حكم الملك كورش، إلا أنه ليست هناك إشارات واضحة تدل على اعتناقه لها، مع أنه اتخذ من الإله آهورا مزدا إلهاً قائداً، إلى جانب بقية الآلهة في دولته أثناء حروبه الطويلة، ورغم وجود بعض الإشارات في بعض المصادر التاريخية تدل على أن كورش قام ببناء معبد للديانة التي نادى بها زرادشت الذي كان حياً في أوائل حكم كورش، إلا أنه لا يستشف من ذلك معاملة خاصة للديانة الزرادشتية أو اعتناقه لها، بقدر ما تدل على تسامحه الديني الذي تميز به، ومعاملة كافة الأديان وآلهة معظم الشعوب الخاضعة له معاملة واحدة، وعدم التدخل لفرض مذهب أو دين أو إله على أي شعب من الشعوب المنضوية تحت لواء دولته المترامية الأطراف.

فالدولة الجديدة استندت في إدارة أمور البلاد على حكومة مركزية قوية، لفرض الأمن والنظام، ولجباية الضرائب، ولإعداد الجيوش، إلا أنها تركت للشعوب الخاضعة لها حرية ممارسة عباداتها وطقوسها دون أي ضغط أو إكراه، وإثر مقتل الملك قمبيز ابن كورش استولى القائد دارا – الذي عرف باسم دارا الأول ( داريوس 522-486 ق.م ) على الحكم، ولإضفاء مبرر شرعي على حكمه واغتصابه للعرش اعتنق الزرادشتية، واتخذها ديانة رسمية للدولة، مدعياً أنه قام بعمله هذا بإيحاء من الإله آهورا مزدا، وأمر بكتابة نقش ملكي ذكر فيه :

(( أنه آهورا مزدا، الإله الأكبر، الذي خلق السماء في العلا، وأوجد الأرض، والذي أبدع الإنسان واستنبط له الغبطة، الذي جعل من داريوس ملكاً، ووهب لداريوس هذه المملكة العظيمة الغنية بالخيل والرجال …)) ويقول في مكان آخر (( حسب مشيئة آهورا مزدا أصبحت ملكاً ))، ومع تعاظم وازدياد أهمية الديانة الزرادشتية التي أصبحت الديانة الرسمية لدولة قوية وواسعة، ازداد دور ونفوذ رجال الدين الجديد، وارتفعت مكانتهم لدى الحكام وكذلك لدى عامة الناس، نتيجة للأعمال المختلفة التي كانوا يقومون بها .

ونظراً لتحول الزرادشتية إلى دين الدولة، وارتفاع شأن رجال الدين الزرادشتي، ترك عدد كبير من الكهنة ورجال الدين غير الزرادشتيين، دياناتهم وتحولوا إلى الزرادشتية، مع احتفاظهم ببعض طقوسهم ومظاهر دياناتهم القديمة التي كيفوها مع دينهم الجديد، وبذلك دخلت بعض مظاهر وآلهة الديانات القديمة في المنطقة إلى الزرادشتية، وتحولت شيئاً فشيئاً إلى مظاهر زرادشتية، مع احتفاظها بكثير من الطقوس القديمة التي حاربها زرادشت، ومن هذه الآلهة الإله " ميثرا " والإلهة " آناهيتا "والثور المقدس.

ونتيجة لاتساع رقعة الدولة الإخمينية - الميدية وازدياد نفوذها، اصطدمت بمجموعة الممالك والدول اليونانية التي كانت تسيطر على قسم كبير من آسيا الصغرى واليونان حتى شبه جزيرة البلقان، وقامت بين الطرفين سلسلة من الحروب الطويلة سميت بالحروب الميدية، كان النصر فيها أول الأمر للفرس، الذين بسطوا سيطرتهم على معظم آسيا الصغرى وبحر إيجة، ووصل نفوذهم في بعض مراحل الصراع إلى نهر الدانوب.

ولكن مع وصول الاسكندر المقدوني إلى السلطة في مقدونيا، وقيامه بتوحيد الممالك اليونانية، وتصميمه على الثأر لهزائم الإغريق، وتأسيس إمبراطورية عالمية ذات صبغة "يونانية"، بالمزج بين الحضارة اليونانية والحضارة الشرقية، والتي عرفت بالحضارة "الهلنستية" تغيرت الموازين ورجحت الكفة لصالح اليونان، الذين استردوا بقيادة الاسكندر كل ما فقدوه، وبسطوا سيطرتهم من جديد على آسيا الصغرى، إثر الانتصار على جيوش الإمبراطور دارا الثالث في معركة اسوس عام 334 ق.م، وبعد معركة أربيل 331 ق.م، حسم الاسكندر الحرب لصالحه نهائياً، بالقضاء على الإمبراطورية الإخمينية، وتوج نصره بإحراق العاصمة الفارسية برسيبوليس "اصطخر" بعد أن نهب معظم الخزائن والثروات التي فيها، وقد أدى إحراق العاصمة، إلى احتراق المكتبة الملكية الضخمة التي احتوت معظم التراث الفارسي والميدي، واحترق جراء ذلك جزء كبير من الكتاب الديني المقدس " الأفستا "، ولم ينج من الحرق سوى حوالي الثلث أو الربع من الكتاب، وفي بعض الروايات الفارسية أن الاسكندر أرسل قسماً من المكتبة الملكية مع نسخة ثانية من الأفستا إلى أثينا، ويدعي الفرس أن الإغريق ترجموا الأفستا و شروحاتها ونسبوها إلى علمائهم .

وتأثر الاسكندر المقدوني وقادته بالأبهة الشرقية، وخاصة مراسيم البلاط الفارسي، وبآلهة الشرق ومعتقداتهم، ومن بينها بشكل كبير الديانة الزرادشتية، التي دعت إلى عبادة إله واحد أحد، وابتعدت عن البحث في صراع الآلهة وتناحرها وتدخلها المباشر والدائم في حياة البشر كالآلهة اليونانية، لا بل رسمت طريقاً واضحاً للحياة وما بعدها من حساب وعقاب وثواب، وكان ذلك غريباً على التفكير اليوناني، فاعتنق قسم كبير من جيش الاسكندر الديانة الزرادشتية، وخاصة القادة والأمراء إيماناً بمبادئها السامية، أو لفرض سيطرتهم على أتباعهم الذين يعتنقون الزرادشتية، أو ليبحثوا من خلالها عن بعض مظاهر آلهتهم، وقد نقل بعض القادة تقديس الإله ( ميثرا ) إلى اليونان، ليتحول فيما بعد إلى ديانة خاصة عرفت بالميثرائية، ( المتراسية ) وقد انتشرت في مرحلة متأخرة في قسم كبير من أوربا، حتى اعتنقها بعض الأباطرة الرومان .

وبعد وفاة الاسكندر سنة 323 ق.م، وتقسيم إمبراطوريته بين قواده، أصبحت بلاد الشام والرافدين وميديا وفارس من نصيب قائده سلوقس (358 –281)، الذي أسس دولة شرقية ذات صبغة يونانية، عرفت بالدولة السلوقية، والذي كان متزوجاً من الأميرة الفارسية (( آباما ))، ولم يتعرض سلوقس للدين الزرادشتي بسوء، فسمح للناس بحرية ممارسة عقيدتهم، واستمرت المعابد بإقامة طقوسها وشعائرها، وبسبب إعفائها من الضرائب، كما كان الحال في عهد الإمبراطورية الإخمينية – الميدية، وتقديم الهبات والعطايا لها من المؤمنين، تحولت تلك المعابد إلى مراكز اقتصادية شبه مستقلة، وتراكمت فيها ثروات نقدية كبيرة، إلى جانب مساحات شاسعة من الأراضي، ولكن عمت الفوضى الولايات الفارسية والميدية لبعدها عن مركز الدولة، وإهمال السلوقيين لها، وبسبب الثورات المستمرة على الدولة السلوقية واستخدام العنف في إخمادها، تراجع دور رجال الدين الزرادشتي، وضعف دور المغان، وتساهلوا في إقامة الطقوس والمراسيم الدينية، فدخلت بعض المظاهر والمعتقدات الغريبة عن الزرادشتية إليها وأصبحت مع الأيام جزءاً من المعتقدات الزرادشتية .

وفي أواسط القرن الثالث قبل الميلاد، ثارت القبائل الآرية في منطقة بارثوا في شمال شرق إيران ضد السلوقيين، وتمكنوا من طردهم من المنطقة، وتأسيس دولة جديدة عرفت بالدولة البرثية ( الفرثية )، وتعرف أيضاً، وخاصةً في المصادر الفارسية القديمة، باسم الدولة الإشكانية، نسبة إلى مؤسسها ارشاك الأول ( 248- 246 ق.م )، والذي يطلق عليه اسم / أشك /0

بينما أطلق العرب على هذه الدولة اسم دولة الطوائف، والتي شملت فارس وميديا وبلاد بابل والشام حتى شرق نهر الفرات، وأشهر ملوكهم الملك " مهرداد " الذي وسع إمبراطوريته شرقاً وغرباً، وبنى عاصمته "طيسفون " على بعد 25 كم جنوب شرق بغداد 0

ومع أن البارثيين، الذين طردوا السلوقيين من المنطقة، كانوا محاربين أشداء، وفرساناً أقوياء، إلا أنهم كانوا رحلاً، ضاربي خيام، يفتقدون إلى تراث حضاري يستندون عليه في إدارة دولتهم، لذا تركوا الإدارة السلوقية كما هي تقريباً في بداية حكمهم، فبقيت اللغة اليونانية تستخدم كلغة رسمية في دوائر الدولة، وحمل بعض ملوكهم وقسم من أفراد الحاشية ألقاباً يونانية إلى جانب أسمائهم الأصلية مثل " محب الهيلينية، أصدقاء اليونان…الخ ".

لكن الطابع اليوناني كان طابعاً فوقياً "سطحياً " إذ اقتصر على البلاط وكبار موظفي الدولة والنبلاء، وفي المدن وخاصة التي كان يسكن فيها بعض الأسر الإغريقية التي يعمل أفرادها في الوظائف الإدارية، بينما حافظت غالبية السكان ولا سيما في الأرياف على طابعهم الشرقي، وكان للدين الزرادشتي الفضل الرئيسي في الحفاظ على مظاهر الحضارة الفارسية والميدية القديمة، من خلال تعاليمه ودعوته المستمرة إلى التمسك بمبادئ الزرادشتية.

وبما أن الدولة البارثية لم تكن دولة مركزية قوية، فقد استقل حكام الأقاليم في إدارة ولاياتهم، يتصرفون فيها تصرف الملك المستقل، مع اعترافهم بالسلطة الاسمية للملك البرثي في طيسفون، وقد شجعت هذه السياسة حكام الولايات والإقطاعيين على التعاون بينهم وبين رجال الدين " المغان "، لتقوية مراكزهم وترسيخ سلطتهم، بالاعتماد على السلطة الروحية، و هكذا كلما ازدادت سلطة الإقطاعيين، ازداد دور المغان في الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، ولم تمض فترة طويلة على نشوء الدولة البرثية حتى أُعلن، من جديد، اعتبار الزرادشتية ديانة رسمية للدولة، وأمر الملك ( بلاش الأول 51 – 78 ق.م ) بجمع نصوص الأفستا المبعثرة، والتي نجت من الحرق في برسيبوليس، مع إضافة الأقسام المفقودة إليها بالتواتر نقلاً من أفواه وصدور المؤمنين .

وقام رجال الدين بعملهم ذاك وتم إعادة كتابة نصوص الأفستا، ولكن ليس بنفس اللغة التي دونت بها النصوص في عهد زرادشت،
(( والتي تعرف باللغة الأفستية )) ولكن الأفستا كتبت هذه المرة باللغة الفهلوية " البهلوية " الاشكانية، وبالأحرف الآرامية، وبعد أن تم جمع وتدوين نصوص الأفستا، أجيز ذلك النص ككتاب مقدس، وأصبح مصدراً للقانون البرثي طيلة فترة حكمهم.

ومع أن المسيحية انتشرت في أواخر العهد البرثي خاصة في المناطق الغربية منها، إلا أن أعداد المسيحيين رعايا الدولة البرثية كانت قليلة، لذا لم تشكل المسيحية خطراً على الديانة الزرادشتية في تلك المرحلة .

وفي سنة 224 بعد الميلاد، قام أحد الأشراف الإقطاعيين في مقاطعة بارس ( فارس ) بجنوب إيران، بثورة كبرى ضد الدولة البرثية وهو اردشير الأول الذي تمكن من الدخول إلى العاصمة البرثية طيسفون، والقضاء على الدولة البرثية، وتأسيس دولة جديدة عرفت بالدولة الساسانية ( نسبةً إلى ساسان أحد أجداد اردشير ) ولما كان والد اردشير (بابك) سادناً لبيت النار في معبد آناهيتا في برسيبولس، وهو منصب لا يخوله الاستيلاء على العرش، لذا ربط اردشير نسبه بالأسرة الهخامنشية ( الإخمينية ) وأعلن عن استمرار الزرادشتية ديناً رسمياً لدولته، واستعان برجال الدين لتبرير استيلائه على العرش ولتوطيد سلطته، فأعلن ( إن المُلك والدين صنوان لا يفترقان ) وما أن استتب حكمه حتى أمر الهربدان هربد (( تنسر )) بجمع نصوص الأفستا الاشكانية المبعثرة في نص واحد، وإعادة كتابتها باللغة الساسانية اللغة الرسمية للدولة.

ومع أن النظام الإداري للدولة الساسانية لم يكن خلقاً جديداً، إذ أن النظم الإدارية للدولة الساسانية، بما فيها ألقاب الموظفين، كانت موروثة عن البرثيين بشكل عام، إلا أن شكل الحكم اختلف، فالبرث اعتمدوا اللامركزية في الحكم، مما ساعد على ازدياد دور النبلاء والإقطاعيين في الحكم وإدارة شؤون الدولة، بينما وطد الساسانيون النظام المركزي في الحكم، بإقامة رابطة وثيقة بين العاصمة وحكام وولاة الأقاليم (مرزبان ) الذين أصبحوا تابعين تبعية كاملة للملك .

وفي ظل الدولة الساسانية انتعشت الديانة الزرادشتية من جديد، فتمت إعادة الحياة للمعابد الدينية المهدمة، بترميمها وإنشاء معابد جديدة، وتنظيم السلطات الدينية على شكل هرمي على غرار سلطات الدولة، وذلك بتقسيم الدولة إلى مراكز دينية، على رأس كل منها موبد، يساعده عدد من رجال الدين لإدارة المعبد وإجراء المراسيم الدينية، وترتبط المعابد الدينية الصغيرة المبعثرة في المدن والبلدات الصغيرة والقرى بمركز الولاية، ثم لترتبط جميع المراكز بالمركز الرئيسي في العاصمة، حيث الموبدان موبد هو الرئيس الأعلى والمرجع الرئيسي في كافة الأمور الدينية (بمثابة البابا في المسيحية ).

فكان يقوم بتعيين وعزل رجال الدين، ويبت في الأمور الدينية التي تعترض رجال الدين، ويترأس محاكم التفتيش التي تعقد لمحاكمة المهرطقين أو الذين يرتدون عن الزرادشتية، وكان له القول الفصل في تعيين الملك، خاصة إذا كان هناك أكثر من مرشح للعرش، وكان من حقه وحده تتويج الملك.

وحاربت الزرادشتية في ظل الدولة الساسانية الديانات والهرطقات والحركات المناوئة لها، وخاصة المانوية والمزدكية وإلى حد ما المسيحية0

فالديانة المانوية، والتي سميت باسم مؤسسها،نبيها (( ماني 216- 276م ))، والتي كانت مزيجاً من الزرادشتية والمسيحية والبوذية، مع غلبة العنصر الزرادشتي عليها، حيث أخذ ماني ما هو خير وحسن من الأديان الموجودة والتي اطلع على دقائقها، وكان يريد لدينه أن يصبح الدين العالمي الموحد والنهائي، وأن تحل المانوية محل الأديان القديمة، فادعى ماني أنه ( الفارقليط ) الذي بشر به السيد المسيح، وأنه خاتم الأنبياء، وتركزت دعوته وتعاليمه على الدعوة إلى الزهد والتقشف والعفة ((بعدم الزواج))، والتفرغ للعبادة والابتعاد عن الأشياء المادية، من أجل نيل الخلاص والتطهر من الذنوب، فجاءت تعاليمه هذه بعكس التعاليم الزرادشتية التي كانت تدعو إلى النشاط والعمل، والابتعاد عن الزهد والتصوف، والإسراع بالزواج لزيادة النسل، فشكلت المانوية بذلك خطراً على الديانة الزرادشتية وعلى الدولة الساسانية معاً.

وقد انتشرت المانوية في مناطق كثيرة من الإمبراطورية الساسانية وخاصة في المدن، في وسط التجار ورؤساء الحرف، الذين ازدادت ثروتهم ولكنهم حرموا من المناصب الهامة، نتيجة التقسيم الاجتماعي، وبعد أن تخطت مواعظ ماني من التعرض البسيط لأشكال الديانات، إلى الطعن صراحة وبشكل مباشر بالدين الزرادشتي، وبالطبقة الحاكمة، تم التضييق عليه وعلى اتباعه فسجن ثم صلب، وتم إثر ذلك مطاردة اتباعه ومحاربتهم بحدة وعنف، فاضطر أتباعه إلى التخفي والهرب.

 أما موقف الزرادشتية من المزدكية التي دعا إليها مزدك فكان أكثر حدة، لأنها لم تشكل خطراً على المعتقدات الدينية فقط، بل هددت النظام الاجتماعي والسياسي والأخلاقي برمته، بالدعوة إلى إلغاء التقسيم الاجتماعي، والمساواة بين الجميع والاشتراك (المشاعية ) في المال والنساء 0  

وقد جاءت المزدكية كتعاليم دينية متطورة عن الزرادشتية والمانوية، إلا أنها كانت أكثر شبهاً بالمانوية، وظهرت كمظهر ديني للصراع بين طبقات المجتمع، إذ دعت إلى إعادة النظر في توزيع الأملاك والمقتنيات، والتي بسبب عدم تحقيق العدالة في توزيعها، تسبب الحروب والانتهاكات والاعتداءات والظلم، ولما كان النزاع والقتال يحصلان غالباً بسبب الاختلاف حول ملكية المقتنيات
( أراض، مال، جواري، نساء ) دعت المزدكية إلى إعادة النظر في توزيعها حسماً للنزاع، بحيث تكون مشاعاً للجميع، وبما أن المال والنساء من أهم الأسباب التي تخلق الفوارق وتسبب الكراهية والحروب، دعت المزدكية إلى الاشتراك ( المشاعية ) فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ .

وقد انتشرت التعاليم المزدكية بسرعة بين عامة الناس، وخاصة الطبقات الفقيرة والعبيد، ولاسيما إثر اعتناق الملك قباد /488-531 م/ لها خلال الفترة الأولى من حكمه، والذي حاول كسر شوكة الأرستقراطيين، وإضعاف نفوذهم ونفوذ كبار رجال الدين، بالاعتماد على عامة الناس، إلا أن معارضيه، تمكنوا وبدعم ومساندة من رجال الدين الزرادشتي في الدولة، من عزله من الحكم وسجنه، وتعيين أخيه جاماساب بدلاً عنه، وإثر عودته للعرش مرة ثانية تخلى عن المزدكية وحمايته لها، وأطلق يد رجال الدين وحكام الأقاليم في ملاحقة أنصار مزدك.

وإذا كانت الدولة الساسانية قد حاربت المانوية والمزدكية، مدفوعة بالغيرة الدينية أو للحفاظ على وحدتها الداخلية، إلا أنها وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام قوة أخرى، هي الإمبراطورية الرومانية، التي أخذت تتوسع شيئاً فشيئاً، لتنافس الإمبراطورية الساسانية على مناطق نفوذها، وقد أضفى اعتناق الإمبراطور تيودوسيوس للمسيحية، واعتبارها الدين الرسمي للدولة عام 380 م، والإعلان عن حماية المسيحية في كل مكان، عنصراً آخر على الصراع الفارسي الروماني هو الصراع العقائدي الديني بين الزرادشتية والمسيحية، وإذا كانت الدولة الساسانية قد سمحت بحرية التبشير بالمسيحية، وممارسة المعتقدات والطقوس، بما فيها بناء الكنائس في القسم الغربي من الإمبراطورية أولاً، ثم في كافة أرجائها في القرنين الثاني والثالث، إلا أنه مع تحول المسيحية إلى دين رسمي للإمبراطورية الرومانية، تمت إعادة النظر في التعامل مع المسيحيين، هذه المرة كأعداء للدين الزرادشتي وأنصار لدولة معادية، فتمت ملاحقتهم والتضييق عليهم واضطهادهم وحظر نشاطهم وعملهم في الدولة.

ولتوحيد الصف الداخلي ووضع حد للخلافات الدينية التي بدأت تظهر خلال فترة المواجهة مع كل من المانوية والمزدكية، دعا الملك سابور الثاني إلى عقد مجمع ديني لتوحيد الصف ونبذ الخلافات، والتفرغ لمواجهة أعداء الزرادشتية، وخاصة المسيحيين، الذين كانوا ينتقدون الزرادشتية ويتهجمون عليها، والذين اعتبروا أتباع ورعايا الإمبراطورية الرومانية المسيحية وإن كانوا يعيشون في ظل الدولة الفارسية .

 وقد ازدادت شدة الاضطهادات الدينية ضد المسيحية مع توتر العلاقات بين الدولتين الساسانية والبيزنطية ( الرومانية الشرقية )، هذه العلاقات التي اتسمت بالتأزم والحروب الطويلة، وإن تخللتها فترات سلم وصداقة ظاهرية متبادلة، وذلك أثناء انشغال أحد الطرفين بإخماد الفتن أو الثورات الداخلية، أو التصدي لخطر خارجي، كتصدي الفرس لقبائل الهون على حدودهم الشمالية الشرقية، أو أثناء انشغال البيزنطيين بمحاربة البرابرة والقوط في الجهة الشمالية الغربية لدولتهم.

وفي تلك الفترات - فترات الهدوء و الهدنة - عقدت الدولتان سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات خاصة في القرن الخامس الميلادي سمح من خلالها بالحرية الدينية في الدولتين، وذلك بالسماح ببناء الكنائس وحرية العبادة المسيحية على أراضي الدولة الساسانية، والسماح للزرادشتيين بممارسة شعائرهم الدينية في المناطق الخاضعة للدولة البيزنطية، إلا أن فترات الهدوء تلك كانت قصيرة تليها الحروب و النزاعات التي أنهكت كلا الطرفين، مما سهل الفتح العربي الإسلامي لبلادهم والقضاء على الدولة الساسانية، وتقليص النفوذ البيزنطي على مساحة محدودة.

وكانت المعركة الحاسمة التي مهدت للقضاء على الدولة الساسانية هي معركة القادسية 637م، بقيادة سعد بن أبي وقاص الذي انتصر على الجيش الفارسي بقيادة رستم فرخ زاده، وإثر معركة القادسية واصل العرب المسلمون تقدمهم،وانتصروا ثانية على الجيش الساساني في معركة جلولاء، على حدود بلاد فارس والعراق، ثم توجوا انتصارهم في معركة نهاوند 641م، ورغم استمرار المقاومة الفارسية في بعض المناطق وسعي الملك الساساني يزدجرد الثالث الإبقاء على دولته المتداعية، بمحاولة جمع قواته المنهارة للوقوف في وجه زحف الجيوش العربية التي اكتسحت دولته، إلا أن مقتله على يد أحد أتباعه سنة 651م، وضعت النهاية له وللدولة الساسانية، وتحولت دولته المترامية الأطراف، إلى ولاية تابعة للدولة العربية الإسلامية.

 وقد عامل المسلمون الزرادشتيين (( الذين سموا بالمجوس )) معاملة أهل الكتاب، وذلك بناءً على أوامر الخليفة عمر بن الخطاب الذي اعتمد على حديث روي له فقال: (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )) – أي اليهود والمسيحيين – وتم فرض الجزية عليهم، وقد انتشر الإسلام بسهولة بين الزرادشتيين، وخاصة عامة الناس، وقد ساعد على ذلك عدة عوامل منها:

1 – ابتعاد الزرادشتية عن جوهرها النقي، وتحولها إلى ديانة رسمية للدولة، تحقق أهداف الملوك وطغيان رجال الدين ومصالحهم بالدرجة الأولى، وتسرب الكثير من المفاهيم والطقوس الغريبة إليها، التي حاربها زرادشت ورواد الزرادشتية الأوائل، وقد خلق ذلك التباساً وإشكالا بين الزرادشتيين، الذين كانوا يخفقون في التوفيق بين الطقوس الدخيلة والنصوص المقدسة التي تعارض ذلك صراحة.

2 – إهمال كبار رجال الدين ( الموبدان، الهرابذة ) لأمور الدين، وأحوال المعابد، وشؤون صغار رجال الدين، وانشغالهم بالصراع الدائر على الحكم، ومنافسة النبلاء والدهاقين على السلطة والأملاك، مما أدى إلى تسرب الفوضى إلى صفوف ( المغان – صغار رجال الدين ) الذين أهملوا هم أيضاً واجباتهم الدينية كرؤسائهم، وانصرفوا عن التحصيل العلمي والمعرفة إلى الاهتمام بمصالحهم الخاصة، مما خلق فراغاً وجهلاً بين الرعية، الذين أخذوا يتضايقون جهاراً من كثرة الطقوس والمراسيم الدينية التي أصبحت تشكل عبئاً إضافياً إلى جانب أعباء الحياة الأخرى.

3 – محاربة المانوية والمزدكية والمسيحية وفيما بعد الإسلام للديانة الزرادشتية الأمر الذي خلق الشك في نفوس أتباعها،أدت فيما بعد إلى الشك بديانتهم وترك صفوفها والتحول إلى الدين الإسلامي.

4 – ركزت الدعوة الإسلامية على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وعدم التفرقة بين السكان بسبب الجنس واللون، وعدم الاعتراف بالتقسيمات الاجتماعية والطبقية بين الرعية، واعتبار جميع المسلمين سواسية في الدين، فكان الدخول إلى الإسلام فرصة للتخلص من التمييز والتفرقة والتقسيم الطبقي، وبالتالي فرصة للوصول إلى المناصب الجديدة في الدولة.

5 – التخلص من الجزية السنوية التي فرضت عليهم، والتي كانت تسقط بالإسلام.

6 – يمكن إضافة عامل آخر، وهو أن الديانة الزرادشتية كانت تؤمن بظهور نبي آخر ( المنقذ، المخلص، ساووشيان ) لا بل تنتظر مجيئه، وذلك حسب التعاليم الدينية، وعندما تبين للزرادشتيين صدق وصحة نبوة محمد " ص " تركوا دينهم واعتنقوا الإسلام، باعتبار أن ذلك هو واجب ديني. ونقل المؤرخون العرب عن بعض الزرادشتيين، أن في الأفستا حديث لزرادشت بما معناه ( تمسكوا بما جئتكم به، إلى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر – يعني الرسول محمد "ص" - ) .

    وقد حافظ قسم من الزرادشيين، أثناء الحكم الإسلامي، على دينهم وبقيت بعض معابدهم حتى أواخر القرن العاشر الميلادي _ الرابع الهجري _ في بلاد فارس و معظم إقليم الجبال ( إقليم كردستان ) حتى الموصل، فمثلاً كان يحكم هَجَرْ ( في البحرين )، حين أبلغ الرسول"ص" دعوته رجل من الفرس اسمه سيبخت مرزبان، وعندما جاءه خبر ظهور الإسلام أسلم مع جماعة من قومه، و قد فضل قسم منهم البقاء على دينهم، فقاموا بدفع الجزية، شأنهم في ذلك شأن أهل الكتاب، وذكر أن الرسول"ص" كتب إلى حاكم البحرين (( مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أخذت منهم الجزية )) وقد أسلم الأمير سامان أمير بلخ و كان زرادشتياً في أواخر العهد الأموي، وأسس أحفاده الدولة السامانية /874-999م/، وفي تلك الفترة أيضاً أسلم البرامكة وكان جدهم برمك سادناً لبيت النار، وفي عام /873م/، اعتنق جمع كبير من الزرادشتيين الدين الإسلامي على يد ناصر الحسن أبي محمد، وفي عام 912م دعا الحسن بن علي، أحد أفراد الأسرة العلوية التي كانت تحكم الشاطئ الجنوبي لبحر قزوين، سكان المنطقة إلى الإسلام، فأجاب أكثرهم وكان بعضهم زرادشتياً و البعض الآخر وثنياً0

وإذا كان الإسلام قد انتشر بين الزرادشتيين بيسر، وإن على فترات طويلة، إلا أنه وبالمقابل لاقى مقاومة شديدة من قسم من المتشددين الذين رفضوا اعتناق الإسلام أو دفع الجزية، وعندما وجدوا استحالة المقاومة والحفاظ على ديانتهم، هاجروا إلى الهند واستوطنوا مقاطعة سانغانا وكوجارات، وقد ثبتوا على عقيدتهم وسط الموزاييك الهندي، وعرفوا هناك ولا يزالوا باسم ( البارسيين ) ويقدر عددهم حالياً بحوالي 100-120 ألفاً، ويعيش معظمهم الآن في مدينة بومباي وضواحيها، وهم يمارسون طقوسهم وشعائرهم وفق العقيدة الزرادشتية، ولهم هناك عدة معابد تحتفظ بنار دائمة الاشتعال، لذلك يطلق عليهم السكان المحليين اسم (( عبدة النار )) رغم نفيهم الشديد لذلك، ولكن عنايتهم بالنار والحفاظ على لهيبها متقداً، واستخدامها في احتفالاتهم، دفع الهنود إلى إلصاق اسم عبدة النار بهم 

ورغم عددهم القليل في الهند، إلا أنهم يتبوءون مراكز عليا في الدولة والمجتمع وخاصة في وسط العلماء ورجال الأعمال والتجار، إذ تعرف هذه الطائفة بالجد والمثابرة على التحصيل العلمي والأخلاق السامية والآداب الرفيعة التي تشهد بما للدين الزرادشتي من أثر عظيم في تهذيب الأخلاق وتمدين الناس، ودفعهم لعمل الخير، وقد اقترنت السيدة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند السابقة ابنة رئيس الجمهورية الهندية جواهر لآل نهرو من البارسي ( الزرادشتي ) السيد فيروز غاندي وعرفت بكنيته أنديرا غاندي.

وعددهم الآن في تناقص في الهند، لأنهم لا يبشرون بدينهم بين السكان الهنود ويحرمون على من لم يولد زرادشتياً اعتناق الزرادشتية، ويعدون دينهم أفضل دين في العالم، ويعتبرون أنفسهم حماة له.

كما حافظ قسم من الزرادشتيين على معتقدهم رغم كل الظروف، في المنطقة التي انتشرت فيها ديانتهم (في الهضبة الإيرانية )، فيعيش حالياً في إيران وخاصة في المدن الرئيسية كطهران، ويزد، ومكران، واصفهان، حوالي 20 ألف زرادشتي وهم يمارسون التجارة الحرة بشكل خاص، وكانوا ولازالوا يتعرضون إلى مضايقات شديدة بسبب دينهم، وأية مخالفة لهم تعرضهم إلى عقوبة مصادرة أملاكهم، ولكنهم رغم الظروف الصعبة يتمسكون بمعتقدهم ويذودون عنه، بكل ما يملكون من قوة، وخاصة في الوقت الراهن، مع ازدياد الاهتمام العالمي بالديانة الزرادشتية لدراستها والإطلاع على مبادئها وتاريخها.


 

سيرة زرادشت

 

إن الفترة التاريخية التي شهدت ظهور زرادشت كانت مضطربة، فالدولة الميدية التي ولد فيها زرادشت وبشر فيها بدينه، شهدت تحولاً كبيراً في مسارها، فبعد وفاة الملك كي اخسار ترك خليفته استياغ الحكم لأتباعه وانغمس في مباهج الحياة وترك شؤون الإدارة والحكم بيد الحاشية، فضعفت السلطة المركزية وأخذ حكام الأقاليم يستقلون بولاياتهم عن الحكومة المركزية في أكباتان، والتي تعرضت للغزو الخارجي خاصة من قبل الليديين وقبائل الهون.

ومع ضعف الدولة الميدية ازداد اعتماد الملك والحكام على الكهنة والسحرة والمنجمين لإضفاء الشرعية على أعمالهم، إذ أن رضا الكهنة يعني رضا الآلهة، أو ليتنبأ السحرة والمنجمون لهم بأوقات السعد للقيام بأعمالهم من الحروب، أو الرحلات وحملات الصيد، وقد أدى ذلك إلى ازدياد دور الكهنة ورجال الدين، الذين ازدادوا تأثيراً على عامة الناس، الذين كانوا يعتقدون أنهم ممثلي الآلهة والوسطاء بينهم وبين البشر.

في مثل هذه الأجواء ظهر زرادشت وبشر بديانته، والمصدر الرئيسي لسيرته وتعاليمه هو كتاب " الأفستا " والنصوص الدينية التي أضيفت إليها لشرح نصوصها والتي سميت " زند أفستا "، وبعض الكتب الأخرى التي كتبت في عهد الدولة البرثية، أو الساسانية، بالإضافة إلى بعض الإشارات المختصرة التي ترد عنه في سياق السرد التاريخي، عند بعض المؤرخين العرب والفرس، وبعض المصادر اليونانية والرومانية، التي أرخت الحروب أو العلاقات المتبادلة بين الفرس "الإخمينيين أو البرث أو الساسانيين"، وبين اليونان والرومان.

وهناك إشارات مقتضبة في بعض المصادر الدينية، وخاصة في المصادر السريانية " كأعمال الشهداء،أو الرد على الهرطقات الفارسية".

ورغم توفر تلك المعلومات والإشارات الواضحة عنه، إلا أن كُتاب حياة زرادشت، ومعظمهم من رجال الدين في العهدين البرثي و الساساني، وحتى في أوائل العهد العربي الإسلامي، أحاطوا سيرته بهالة أسطورية، متأثرين في ذلك بأتباع الديانات الأخرى كاليهودية والبوذية والمسيحية ، والى حد ما الإسلامية ( خاصة الكتابات
المتأخرة )
، الذين كانوا يتباهون بسيرة أنبيائهم والمعجزات التي سبقت أو رافقت ولاداتهم، أو التي قاموا بها أثناء حياتهم سواء قبل الدعوة التي كلفوا بالتبشير بها أو بعد الدعوة، وقد دفع ذلك رجال الدين الزرادشتي إلى إحاطة سيرة نبيهم زرادشت بهالة من القدسية، بدأت قبل ولادته بزمن طويل، لكي لا يبدو زرادشت أقل شأناً وأهميةً عن بقية الأنبياء، فنسجوا مجموعة من الأساطير عن سيرته كادت أن تطمس المعالم الحقيقية في حياته.

ومن الأساطير التي وردت عنه في الزند أفستا (( إن الروح الإلهية التي سكنت في السماء السابعة،والتي تأخذ شكل هالة نورانية،وأحياناً شكل حمامة بيضاء، وهذه الروح التي خلقها الإله الكبير آهورا مزدا، تختار من البشر من تتوسم فيه العظمة والسمو،وعندما تجده تهبط عليه فتتجسد – تدخل – فيه، وعند ذلك يصبح صاحب الجسد ذو شأن عظيم بين قومه،هكذا يختار الإله نبيه الذي يكلفه بالتبشير بديانته)) .

وعندما اختار آهورا مزدا زرادشت ليبشر بدينه، دين مزديسنا، الدين الحق، هبطت بأمره من السماء السابعة بؤرة النور الإلهية إلى الشمس ثم إلى القمر فالنجوم، ومنها إلى الموقد المشتعل في منزل فراهيم، ومن الحطب الملتهب في الموقد انتقل النور الإلهي إلى زوجته الحامل، التي وضعت بعد فترة وجيزة أنثى أسموها " دغدوفا " و بعد أن كبرت دغدوفا التي كان النور ينبعث من وجهها الصبوح الرائع، خاف أهريمان إله الشر من هبوط الروح الإلهية إلى الأرض، لأن ذلك يعني ولادة كائن مقدس، يهدد سلطته وأعماله وأعمال أتباعه على الأرض، فألقى أهريمان في روع والد دغدوفا فراهيم، أن ابنته دغدوفا تتعاطى وتمارس السحر، - وقد كانت ممارسة السحر حكراً على فئة خاصة، ويعاقب كل من يمارسه من غيرهم - مما حدا بوالدها إلى طردها من البيت، فتركت دغدوفا البيت واتجهت إلى بلدة اورمية،
ولجأت إلى قبيلة هجتسبيان، واحتمت بأسرة سبيتمان، وانتهى الأمر بأن تتزوج دغدوفا من بورشاسبا أحد أفراد أسرة سبيتمان.

وبعد الزواج بفترة قصير، وبينما كان بورشاسبا الفلاح عائداً من حقله، تراءى له ملاكان نورانيان وهما ( وهومنو- بهمن-) روح الطبيعة الخيرة، و( آشا - اردبيهست ) روح الحق، وقد أغمي على بورشاسبا من هول المفاجأة ومن شدة نوريهما، وبعد أن استفاق من غيبوبته قدم له بهمن غصناً من أغصان الهاوما، وأمره أن يحمل النبات إلى داره ويقدمه لزوجته بعد أن يمزجه باللبن.

وعندما وصل بورشاسبا إلى البيت فعل ما أمر به الملاكان (الشبحان) فمر الجوهر الروحي من خلال اللبن إلى زوجته دغدوفا، ولما اقترن بها علقت منه، وبعد خمسة اشهر من الحمل رأت دغدوفا في الحلم سحابة سوداء أحاطت ببيتها، وخرجت منها مخلوقات بشعة انتزعت جنينها من رحمها وهمت بالقضاء عليه، فصرخت واستغاثت، ولم يلبث أن هبط من السماء شعاع نور، مزق السحابة السوداء إرباً، فاختفت الكائنات البشعة وولت هاربة، ثم انبثق من النور طيف شاب يشع منه نور متلألئ أعاد الطفل إلى بطن أمه، وسكن من روعها وقال لها: (هذا الطفل عندما يكبر سيصبح نبي آهورا مزدا).

وفي ليلة ولادة دغدوفا أنيرت القرية بوهج مضيء، حتى أن رجال الدين اعتقدوا أن حريقاً شب بالقرية، فهربوا منها حتى ولد زرادشت، الذي لم يبك كسائر الأطفال، إذ ولد ضاحكاً، وقد غمر نوره الإلهي أركان البيت فهربت الأرواح الشريرة إلى العالم السفلي، وعندما علم أهريمان بولادة زرادشت أمر ملاك الموت ( دوراجان ) بقتله، فأضرم النار في بيت بورشاسبا، فهرعت دغدوفا إلى وليدها وقد وجدته يلعب وسط النار، وعندما فشلت الخطة، أمر دوراجان أتباعه باختطاف زرادشت وقتله، فاختطفه أتباع دوراجان ووضعوه على قارعة الطريق، حتى يدهسه قطيع الماشية، ولكن أحد الثيران أسرع إليه وستره بجسمه، حتى مر القطيع بسلام، وعندما فشلوا مرة أخرى حملوا الوليد إلى الجبال وتركوه هناك لتلتهمه الذئاب، ولكن الذئاب امتنعت عن أكله، وسرعان ما ظهر له ملاكان على شكل عنزتين، قامتا برعايته حتى وجده والده، وعند ذلك أخبر دوراجان أهريمان: (( " أنه لا يستطيع قتل هذا الطفل، أو إلحاق الأذى به لأن ملاك الحياة يرعاه " )).

بالإضافة إلى هذه الرواية الأسطورية، هناك عشرات القصص المشابهة لها التي مزجت حياته مع ما يرغبونه أو يتخيلونه من المواقف والقصص، ظناً منهم أن ذلك يعظم شأن نبيهم .

أما بشأن سيرته الحقيقية فيتفق معظم الباحثين والمؤرخين على أن زرادشت عاش في أواخر القرن السابع وحتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، بين أعوام 628- 551 ق.م، حسب أقرب التقديرات، أما اسمه فهو زرادشت و قد كرره في أكثر من نشيد من أناشيده، فنراه يقول :

(( وعرفتك طاهرا ً، يا مزدا آهورا،

عندما جاءني بهمن وسألني،

من أنت ؟ وابن من أنت ؟

بأي علامة سوف تعرف عائلتك ونفسك ؟

في أيام الحساب عن الأعمال الدنيوية ؟

حينذاك قلت له: أولاً أنا زرادشت،

سوف أكون ما استطعت بالحق، عدوا لعابد الكذب،

والملاذ الآمن لتابع الحق،

حتى ذلك الوقت العاجل الذي سأنال فيه دار الخلود الذي أملته،

حتى ذلك الوقت الذي فيه يا مزدا، سأحمد وأنشد " يسنا 43/7/8

وقد ورد اسمه ولقبه في الأفستا بصيغة زرادشت وأحيانا زرئوشتره، ابن بورشاسبا بن هانيكات آسيا، الذي ينتسب إلى أسرة سبتيمان، والتي كانت لها مكانة مقدسة لدى الميديين، وينتهي نسبه إلى قبيلة هجستيان، أما والدته فهي دغدوفا (( دغدوهو )) بنت فراهيم، دغوء بالفهلوية، وأطلق عليها العرب أسم " دغد ".

وقد لُفظ بصيغ عديدة، كزردشت، زرادشت، زردهشت، زراتشت  زرتهشت، زرتهشت، زرهتشت، زرئسترا، وزروسترا، وقد تعددت التفاسير حول معنى اسمه، ففسرها البعض بصاحب الجمل الأصفر( زر-أصفر، هوشتر-جمل) وآخرون بصاحب اللسان القويم
( زار- لسان، دشت – قويم، صحيح )0

 ولد زرادشت في اليوم التاسع / آذر/ من شهر مرداذ ماه
( خورداذ هورتات في الأفستا )، وهو الشهر الخامس في التقويم الزرادشتي، سنة 628ق.م، الذي يوافق الثلاثين من شهر أيار (مايو) حسب التقويم الميلادي "، ولا يزال أتباعه في الهند، يحتفلون بميلاده في هذا اليوم من كل عام ". ولد في مدينة اورمية ( تقع جنوب غرب بحيرة اورمية في ايران ) أو في قرية أو بلدة قريبة منها، وقد ظهرت علامات النباهة والنبوغ عليه في سن مبكرة، إذ كان ذكياً يميل إلى الهدوء والعزلة، وعندما بلغ السابعة من عمره أرسله والده ليتلقى العلم، على يد أحد العلماء المشهورين وكان يدعى "برزين كروس".

تلقى زرادشت عن أستاذه العلوم العامة من الحكمة والطب ومبادئ الزراعة، بينما تولى رجال الدين تلقينه العلوم الدينية ( في حين تذكر الأفستا إن الكائنات الإلهية الامشاسبندان هي تولت تلقينه العقائد الدينية ). وقد لازم زرادشت معلمه ثماني سنوات، يتلقى منه مبادئ الحكمة والعلم والطب، وبعد أن وجد معلمه أنه بلغ درجة عالية من الفهم والإدراك، منحه وسام التخرج، إذ ألبسه الحزام المقدس (كشتي- ايويا اكَهن- ) في مراسيم خاصة، كانت تجري لكل من ينهي تعليمه، وبحضور عدد من رجال الدين الذين يختبرونه ويساعدونه على ارتداء الحزام المقدس كشتي ( وهو حزام صوفي يلف حول الخصر ) 0

وبعد أن أنهى زرادشت دراسته، ودع معلمه وعاد إلى موطنه وهو يلبس الحزام المقدس، ولم تمض فترة طويلة على وصوله حتى ألح عليه والده أن يتزوج مثله مثل غيره من الشبان الذين في سنه، ليؤسس أسرة، ويساعده في العمل في الحقل، وقد وافق زرادشت على رغبة والده في الزواج، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره بكثير، وفي تلك الفترة تعرضت بلاده لغزو خارجي من قبل إحدى الدول أو الممالك المجاورة، تسميهم الأفستا بالتورانيين، وتطوع زرادشت في جيش بلاده لمقاومة الغزاة، وفي ميدان القتال قام بمعالجة الجرحى والمرضى، وكانت تلك فرصة طيبة له لاختبار علومه ومعارفه الطبية، التي تلقاها من معلمه برزين كروس على أرض الواقع، وسطع نجمه خلال تلك الحرب كطبيب حاذق، ولكن ويلات الحرب وما شاهده على أرض المعركة من جثث القتلى والجرحى من الجانبين أثر فيه تأثيراً كبيراً، فبدت له نتائجها مقززة مهما كانت أسباب تلك الحروب.

ولم تكن تلك المعركة الوحيدة التي شاهدها زرادشت، فقد كانت الحروب مستمرة بين بلاده والآشوريين والليديين، والتي أدت إلى انتشار المجاعة والأوبئة والأمراض بين أبناء قومه،فعم الفقر والبؤس والشقاء المنطقة، وكرس زرادشت خمس سنوات أخرى من عمره للتخفيف من آثار النكبة، وذلك بمعالجة المصابين، وإرشاد السكان إلى طرق الاعتماد على الذات للتخلص من آثار المجاعة، بالعمل في الزراعة والعناية بتربية الحيوانات الأهلية من أجل تجاوز المحنة.

وقد أثرت تلك الحروب وويلاتها ومأساة المجاعة على حالته النفسية، فبدأ يعتزل الناس لفترات طويلة، ويعيش وحيداً عله يجد سبباً لكل هذه الشرور التي تصيب الناس، ولما لم يجد أجوبة مقنعة لأسئلته العديدة في محيطه، قرر ترك موطنه والتنقل في أرجاء المنطقة، ليتعرف على حياة الناس عن كثب، وليخفف من آلامهم إن أمكنه ذلك، من خلال معالجتهم وتقديم النصح والمشورة لهم، وليتعلم منهم أيضاً، عله يتوصل إلى معرفة سبب الشرور و المصائب في هذا العالم.

 وبعد حوالي عشر سنوات من التنقل و البحث والاستفسار عاد إلى موطنه، دون أن يجد جواباً مقنعاً لأسئلته التي جاب العالم بحثاً عنها، فقرر اعتزال الناس، والعيش وحيداً، رغم معارضة أسرته لقراره، فترك أهله وزوجته وولده الوحيد "ايسدواستر" وبناته الثلاث "فرين، تهرت، بوركستا"، وذهب إلى جبل اشيدرنا، معتزلاً الناس وآثامهم، معتمداً في معيشته على ثمار الأرض .

امتدت خلوة زرادشت "رياضة النفس" لمدة عشرة سنوات، يراقب حركة الليل والنهار، والشمس والقمر، ويفكر في خلق الكون وأسباب الشرور والمصائب التي تحل ببني الإنسان، ومن خلال مراقبة النجوم والشمس والقمر والليل والنهار، توصل إلى تفسير للصراع بين الخير والشر، فبدا له ذلك كالصراع بين الليل والنهار، وبين الحياة والموت، وكما يتغلب النور على الظلام ويبدده، فلا بد للخير الذي يشبه النور من الانتصار على الشر الذي يشبه الظلام، كما لا بد للحياة من أن تتغلب على الموت.

وبعد أن توصل إلى قناعة بأنه وجد تفسيراً لأسئلته، قرر إنهاء خلوته والعودة إلى أهله، فترك الجبل متوجهاً إلى موطنه، بعد غياب أمتد عشر سنوات، وهنا تذكر الأفستا: بعد أن أنهى زرادشت خلوته ونزل من جبل اشيدرنا، وعندما وصل إلى نهر دايتي ( في القسم الكردي من أذربيجان الحالية ضمن إيران )، هبط عليه الوحي من قبل آهورا مزدا على شكل هالة نورانية، فأغمي عليه من شدة الوهج ولكن ( وهومنو-بهمن ) الروح الخيرة، هدأ من روعه، وكشف له عن نفسه، كملاك مرسل، من قبل الإله الأعظم آهورا مزدا، وقام باصطحابه وهو روح خالصة، متجرداً من ماديته( جسده)، وقاده إلى السماء، للمثول أمام الإله الأعلى، خالق الكون، وبعد أن اجتازا الأفلاك السماوية الإثني عشر، مثل زرادشت أمام آهورا مزدا، الذي لم يستطع رؤيته من شدة نوره، وكل ما رآه هو هالة نورانية شديدة الوهج، وهناك تلقى منه كلمات الحق، وتعلم أسرار الوحي المقدس، وقامت الملائكة بتعليمه حقائق الحياة الكبرى، وعقيدة دين مزديسنا (دين مزدا _ دين الحق ) بعبادة الإله الواحد الأحد آهورا مزدا، الطاهر المطهر، الذي اختاره من بين كل البشر نبياً لدينه على الأرض، وما إن تلقى زرادشت ذلك، حتى هبط على الأرض محملاً بالرسالة التي سيبشر بها الناس:

(( لأجلك_ سبتاما _ سليل هيكاتسبا،

أعلن أنك ستتميز طاهراً من بين المدنسين

بهذه الأفعال التي تتفق مع التعاليم الأولى لآهورا،

لقد أمنت نفسك بالحق )) يسنا46/15 0

وما إن وصل زرادشت إلى الأرض، حتى تعرض له أهريمان، وحاول إغواءه ليترك دعوته، فعرض عليه أن يترك الدين الذي كلفه آهورا مزدا بالدعوة إليه، مقابل أن يجعله حاكماً على الدنيا كلها، ولكن زرادشت رفض ذلك، وأصر على أنه سيعمل ما أمر به آهورا مزدا، وسيبشر بالديانة التي تحقق العدل والخير، وترضي ربه، وحاول أهريمان أن يشككه بربه وبقدرته،فشق صدر زرادشت بضربة
سيف، وملأ الجرح بالرصاص المذاب، ولكن زرادشت لم يجزع، ولم يدخل الشك بقدرة وألوهية آهورا مزدا إلى قلبه، وبقي على اعتقاده بآهورا مزدا، إله الخير والحياة، الأزلي خالق الكون، ومكافأة له على صبره، وإيمانه الذي لم يتزعزع، تجلى له آهورا مزدا وأنزل عليه الأفستا.

وإثر ذلك توجه زرادشت، يملأه الحماس، من جديد إلى مسقط رأسه، اورمية، ليوجه شعبه باسم آهورا مزدا من الظلام إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن فعل الشر إلى فعل الخير، إذ اعتقد أن أهله وقومه أولى من الآخرين في تأييده واعتناق ما يدعو إليه، وبالتالي مناصرته ومساعدته في نشر دين مزديسنا الدين الحقيقي الذي كلفه به آهورا مزدا.

ولم يطل به المقام بين أفراد أسرته وأهله، حتى راح يدعوهم وبني قومه إلى ترك عبادة الأصنام والكواكب والآلهة ( الديوات )، التي لا تضر ولا تنفع، وعبادة الإله آهورا مزدا:

(( الواحد الجدير بالعبادة،…

الروح الخيرة…

الخالق الحقيقي للحق والاستقامة،

المدبر العادل لأمور الكون…

الذي يمنح الخلاص، أو الهلاك الأبدي

إلى الأحياء، أومن كانوا، أومن سيكونون،

روح الصالح تجازى بالخلود،

و العذاب الأبدي لروح الشر )) يسنا 45/7 .

وأخذ يشرح للناس مبادئ الدين الطيب، دين الحق، الذي كلفه آهورا مزدا بالدعوة إليه، الدين القائم على ترك عبادة الأصنام والآلهة التي صورت لهم على أنها آلهة، وهي ليست كذلك، والإيمان بإله واحد هو آهورا مزدا، خالق الكون، وواهب النور والذي: " خلق البشر أفضل من كل المخلوقات الدنيوية، بواسطة النطق، والبيان، والذهن، والعقل، والعدل "  /خرده أفستا/.

لذا على الإنسان أن يقف إلى جانب آهورا مزدا، رب النور،
في مقاومة قوى الشر والظلام والكذب، من خلال طهارة
الفكر والكلمة والعمل، وهي حسب الأفستا " هومت - النية الخيرة، هوفت - القول الخير، هوورشت - العمل الخير"،
فالنية الخيرة والاعتقاد الصادق تدفعان الإنسان لقول الكلام
الحق، وبذلك يكون المرء صادقاً مع فكره، ومع نفسه، ومع الآخرين، فيكون بليغاً في الدفاع عن الحق، ويحمله ذلك على أن يترجم كلامه إلى العمل الطيب، الذي يعود بالنفع على الإنسان أولا،ً وعلى المجتمع ثانياً، ويفوز برضى آهورا مزدا، ويكون ثوابه الفردوس الأبدي :

(( من يملك النية والفعل والقول الأفضل،

تجاه سبنتا مينو، ودين الحق،

يكون " الثواب " الذي يهبه آهورا مزدا له

هو الكمال والخلود، وكذلك القوى والتقوى )). يسنا 47/1

وشدد زرادشت على الصدق، وعده الركن الأساسي للدين الجديد، باعتباره صفة من صفات آهورا مزدا، ودعا إلى محاربة الكذب" دروغ " رمز وصفة إله الشر، الذي يدفع الإنسان إلى طريق الشر والضلال، فيصبح عند ذلك عابداً للكذب، وفرداً في جيش قوى الشر، التي تقف في طريق تطهير الأرض من الآثام والفساد والكائنات التي تعصي آهورا مزدا.

 كما دعا إلى النظافة العامة، نظافة الروح ( النفس ) والجسد، والبيت، والابتعاد عن النجاسة والدنس، من خلال الطهارة، التي تبعد الكائنات الشريرة عن الإنسان، كما يبعد الظلام عن النور، ودعا أيضاً إلى الأمانة والتعاون والإحسان إلى الآخرين، بالقلب والفعل، ومساعدة الذين لم يتيسر لهم تحصيل العلم، بتعليمهم وإرشادهم من أجل الجد في العمل الذي يقومون به، ولأن العمل بحد ذاته فعل مقدس، فعلى الإنسان القيام به بجد وإتقان، خاصة العمل في الزراعة وتربية الحيوانات النافعة، لأن في ذلك خير للجميع.

وقد حذر زرادشت الناس من عبادة الأصنام، ومجموعة الآلهة التي أوجدها الكهنة والسحرة، والتي لا تضر ولا تنفع، وقد اسماها "الديوات" كذلك حذر من الاعتقاد والإيمان بدين آخر، فالتنكر لدين مزديسنا سيكون مصيره الندم والأسف، ومن ثم العذاب الذي لا حد له في الجحيم ( مأوى الكذب ):

((  أتحدث الآن عن ذلك الذي قاله لي

الحكيم آهورا مزدا، في بداية الحياة:

إن الذين لن يحملوا الكلمة، كما سأفكر و أنطق بها

سوف تكون لهم مثلما فكرت، وقلت:

أسفًا في نهاية العالم )) . يسنا 45/3 .

وهاجم زرادشت الكهنة ورجال الدين الذين يخدعون الناس، بالادعاء بأنهم وسطاء بين الآلهة والبشر، وقال بأن الإله آهورا مزدا ليس بحاجة إلى وسيط، فهو في كل مكان، ولا يحتاج إلى القرابين والأدعية، وكل ما يرضيه هو العمل والنية الصادقة، والوقوف إلى جانب قوى الخير، إذ يستطيع كل فرد مؤمن خيّر أن يساهم في المعركة القائمة ضد قوى الشر، وهو سينال جزاء أعماله الطيبة تلك في هذه الدنيا، والثواب أو العقاب في الحياة الثانية، فيكون مصير الإنسان الخير الصالح، الفردوس ( مأوى العلويين )، أما مصير الطالح ونصير قوى الشر، فهو الجحيم ( مأوى الكذب):

(( أصغ بأذنيك لما هو كائن في سيادة الخير000

بعقل واع، انظر إلى الجانبين - الخير أو الشر -

بينهما يجب أن يختار كل إنسان لنفسه000

ناظراً بحرص أمامه حتى يكون الاختيار الكبير في صالحه)) يسنا30/2.

(( إذا فهمتم أيها البشر، الأوامر

التي أعطاها آهورا مزدا ؟

المعاناة و طول العذاب للشرير، والصحة والخلاص للتقي

فسوف يتجه الكل بعد هذا نحو الأفضل )) يسنا 30/11 .

 ولكن الناس لم يتقبلوا بسهولة ما كان يدعو إليه زرادشت، الذي يتحدث عن عقاب وثواب وحياة ثانية بعد الموت، ورفضوا الإيمان بدينه، لأن ذلك يخالف دين آبائهم وأجدادهم، كذلك لم يستطيعوا استيعاب فكرة إله واحد، مجرد، يعيش في كل مكان وزمان، يَرى ويَسمع دون أن يُرى أو يُسمع، وهم تعودوا على أن يكون لكل مظهر وحالة إله خاص، له كاهن أو عراف يستدعيه أو يطلب منه تلبية رغبات وأدعية الناس، وقد كان أشد المعارضين له رجال الدين والكهنة، والسحرة والنبلاء، وكبار الملاكين حراس الديانة القديمة، والذين وجدوا في ما يدعوا إليه زرادشت خطراً يهدد مصالحهم وامتيازا تهم.

ولم تقل حملة مالكي المواشي " كافي " عن حملة رجال الدين ضده، فقد شنوا عليه حملة شعواء، لأنه كان يدعو الناس إلى
ترك حياة البداوة والترحل والرعي، والاستقرار في مكان
خصب، للعمل في الزراعة والحصول على مورد رزق ثابت، بدلاً

من التنقل والترحال، وهذا بطبيعة الحال يضر بمصالحهم، لذا
وقفوا إلى جانب رجال الدين، ومنعوه من التبشير بين الرعاة من أتباعهم :

(( بكل قواهم يثير الكاربانيون والكافيون،

الناس على الأفعال الشريرة،

من أجل القضاء على الحياة )) . يسنا 46/11 .

ولم يكن زرادشت وحيداً في معركته ضد المتنكرين لدعوته، فقد وقف إلى جانبه عدد لا بأس به من المؤمنين بدعوته، وكان ابن عمه ( مديوماه ) أول من آمن بدعوته، وأصبح حاميه ونصيره ومرافقه الشخصي، أينما حل، وبذل جهوداً كبيرة في سبيل إقناع الناس بالدخول في الدين الجديد، وقد مدحه زرادشت في إحدى أناشيده قائلاً:

(( هذا الرجل مديوماه، قد وضع هذه الطريقة الدينية نصب
   
عينيه،  بعد أن أدركت روحه أسرار هذا المذهب،

سوف يوهب العلم بمشيئة مزدا،

التي ترشد المؤمن إلى إصلاح أمور الحياة )) . يسنا51/19 .

أما من آمن بدعوته، وأحاطوا به، فقد قسمهم زرادشت إلى جماعات ومراتب وهم ( الفقراء، درغو ) Derg/، الذين تولوا شرح مبادئ الدين للناس، وحثهم على اعتناقه، و( العارفين _ فيدفا ) Vedeva وهم كبار رجال الدين، الذين كانوا يرافقون زرادشت، ويتولون شرح الأمور الفقهية، و(الأصدقاء _ فرايا)  Firaya وهم عامة الناس الذين يعملون في مختلف المهن، وخاصة الزراعة، و(الأنصار _ اوركاتها Orkatha ) المدافعين عن الدين بالقوة، أي المحاربين) .

ولكن هذه الجماعة في بداية الدعوة كانت محدودة قليلة
العدد، إذ لم يقبل الناس بيسر وسهولة ما يدعو إليه زرادشت، فأعرضوا عنه، وآذوه في بعض الأحيان، وطرده النبلاء و الملاكين ورؤساء الرعاة من مناطقهم، ومنعوه من التبشير بدينه بين أتباعهم، حتى أنهم كانوا يمنعونه وأتباعه من النوم في بيوتهم، وحتى في الخانات والنزل، بهدف حمله على ترك ما يدعو إليه، و لكنه لم ييئس
واستمر في دعوته، يجتمع مع الناس ويلتقيهم رغم الأذى والصعوبات التي يضعونها في وجهه، ليشرح لهم غيهم وضلالهم بالإيمان بعدد
كبير من الآلهة، والتي لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فهي بحد ذاتها بحاجة إلى إله، كما كان يشرح زيف رجال الدين والسحرة

الذين يستغلونهم ويخدعونهم بتراتيلهم وصلواتهم المزيفة، ويتوجه إليهم:

(( لقد سلبتم الإنسان السعادة و الخلود،

عندما زينتم له هذه الأفعال، أيتها الآلهة المزيفة

بواسطة الروح الشريرة، والعقل الشرير

من خلال الكلمة الرديئة التي تعد بالسيادة الشرير)). يسنا 32/5

 وفي مسعاه ذاك، كان يتوجه إلى ربه، طالباً منه العون والمساعدة لهداية الناس إلى الدين الحق :

(( اعلمُ يا مزدا، لماذا أنا عاجز،

لأنني قليل المال… والرجال عندي قليلون ... أشكو إليك .

انظر بنفسكَ يا آهورا مزدا،

امنح العون، مثلما يمنحها الصديق للصديق،

خبر عن دين الحق، كل ذي روح خيرة )) . يسنا 46/2 .

وتذكر الأفستا أن ربه لم يتركه وحيداً في محنته تلك، فتجلى له، ليشجعه، و أرسل إليه الوحي خلال تلك الفترة سبع مرات، وكلف الكائنات السماوية الستة ( الخالدون المقدسون_ الأمشا سبندان ) لتلقينه الحقائق الكبرى، حقيقة النار المقدسة، والأسرار التي تنطوي عليها الأرض، وحياة الحيوانات والنباتات، وخواص المعادن، والسر في وجوب العناية بالمياه، والصراع الأزلي بين الخير والشر، ليشرح هذه الحقائق للناس، ويفسر ما يواجهه من أسئلة واستفسارات عنها، ويبين أهمية وحقيقة هذه الأسرار لقومه، ولكن قومه سدوا في وجهه كل السبل، وأعرضوا عن دعوته .

وعندما وجد زرادشت أن قومه معرضون عنه، وليس من سبيل إلى إقناعهم باعتناق الدين الذي يبشر به، قرر ترك المنطقة، والهجرة إلى مكان آخر:

(( إلى أي أرض يمكنني الهروب ؟

إلى أين تتجه خطواتي

وأنا مبعد عن العائلة والقبيلة ؟

لا أجد قبولاً من القرية التي إليها أنتمي

و لا من حكام البلد الأشرار

كيف إذن يا آهورا، سأحوز على عطفك ؟ )) . يسنا 46/1 .

وبحث عن مكان يتوجه إليه، عله يستطيع إقناع ملك، أو حاكم كبير بدينه، فيكون ذلك سبباً أو دافعاً لإقناع رعيته بالدخول فيه، ومن ثم نشره بين سكان المناطق الأخرى، وقد توجه بالدعاء إلى ربه طالباً هدايته إلى جهة أو مكان يستطيع فيه نشر دينه:

(( إلى أي أرض أتجه ؟

إلى أين أذهب ؟ أنا بعيد عن الأحرار،

والزعماء والزراع لا يرضونني، ولا الرؤساء،

أولئك العابدين للكذب،

كيف أستطيع أن أرضيك يا مزدا آهورا ؟ )) . يسنا46/1.   

وتشير الأفستا إلى أن آهورا مزدا، أرسل الملاك بهمن إلى زرادشت، وطلب منه التوجه شرقاً نحو مقاطعة باكتيريا "بختريا، بلخ في أفغانستان حالياً " التي كانت مقاطعة شبه مستقلة تابعة للدولة الميدية .

((  أيا زرادشت:

من الرجل الحق الذي يكون صديقك الحميم

لأجل السر العظيم

الذي يرغب في سماعه

أنه الأمير ( فشتاسبا )

في لحظة الاختبار الحاسم

هذا الذي ستجمعه معك في مقر واحد0000)) يسنا 46/14 .

فجمع زرادشت أنصاره وأتباعه الذين آمنوا بما يدعو إليه، وأخبرهم بنيته في الهجرة والبحث عن مكان آخر، للتبشير بدعوته، وخيرهم بين البقاء أو مرافقته، فوافق القسم الأكبر منهم على مرافقته، وفي مقدمتهم ابن عمه مديوماه وبعض أفراد أسرته، فأعد زرادشت القافلة للمسير بنظام، فكلف ابنه ( ارماتدنر ) بقيادة المحاربين، وابنه الثاني (خورشيد جهر) بقيادة الفلاحين، على أن يتولى هو بنفسه قيادة القافلة برمتها0

وبعد أن أعدوا وحملوا ما يحتاجون إليه في رحلتهم الطويلة تلك، انطلقت القافلة شرقاً، وكلما صادفوا قوماً أو جماعة يدعونهم إلى الدخول في الدين الجديد، لكن موقفهم لم يكن أفضل من موقف سكان منطقة اورمية، وقد طُرد زرادشت وأتباعه من بعض المدن والقرى التي تقع على الطريق، لا بل أن حاكم إحدى المدن ويدعى
( الأمير الصغير فيبا )، والذي سمع عن دعوته وما يدعوا إليه، منعه وجماعته، من التوقف في مدينته لأخذ الراحة، والاحتماء من البرد القارس، ومنعهم حتى من العبور فوق الجسر الذي يخضع له .

((  تابع الأمير الساحر، عند قنطرة الشتاء

أذى زرادشت سبتما،

عندما رفض منحه المأوى

هو و دوابه، عندما أتوه يرتعدون برداً )) .يسنا51/12 .

وللتخفيف على أتباعه، كان زرادشت يؤكد أن تلك الجماعات والأشخاص سوف يلقون جزاءهم على أعمالهم تلك :

(( إن الذين يعيثون في هذا العالم فساداً يا مزدا،

سوف يتعذبون من وحي نبيك،

الذي سوف يمنعهم من رؤية آشا )) . يسنا 32/12.

وخلال رحلته الطويلة تلك، كان زرادشت يعظ أتباعه، ويشرح لهم مبادئ الدين الجديد، ويشجعهم على التحلي بالصبر، لأن
آهورا مزدا لن يتخلى عنهم، وأنه لابد وأن يظهر دينه وينشره
بين الناس، وكان في نفس الوقت يناجي ربه، راجياً منه العون والمساعدة، بصوت عال ومسموع، وعبر أناشيد وتراتيل موزونة، ذات روعة، وإخلاص حار، وسمو خلقي، تثير في النفس النشوة والحمية، وقد أصبحت تلك الأناشيد، التي دونت خلال الرحلة وبعدها، والتي سميت الكاثاها، من أهم أقسام الأفستا، " وقد نجت من الحرق على يد الاسكندر المقدوني ":

(( هذا ما أسألك عنه، فاصدقني الخبر يا آهورا مزدا،

من ذا الذي رسم مسار الشمس والنجوم ؟

ومن ذا الذي رفع السماء والأرض من تحتها ؟

وأمسك السماء من الوقوع ؟

ومن ذا الذي حفظ المياه والنبات ؟

ومن ذا الذي أمزج العقل الخير ؟

أنه أنت يا واحد… يا آهورا مزدا

اكشف لي أسرار المعرفة،

كي تساعدني على نشر دينك

أيها الإله الواحد الحكيم…يا آهورا مزدا )) .يسنا 44/3-4 .

وبعد عناء طويل ورحلة شاقة وطويلة، وصل زرادشت وجماعته إلى مدينة بلخ، ودون أن يرتاح من عناء السفر، توجه إلى قصر الملك كشتاسب، رئيس قبيلة فريانا، الذي سمع عنه وعن عدله الكثير، وعندما أراد الدخول عليه، منعه الحراس من ذلك، وذهبت كل محاولاته في إقناع الحراس أو حجاب الملك، بالسماح بمقابلته للملك، أدراج الرياح، فعاد إلى جماعته دون أن يقابل الملك، وخيم مع أفراد القافلة في أطراف المدينة.

وعندما علم أن الملك كشتاسب وحاشيته وكبار رجال البلاط، سيقومون برحلة صيد، وجد زرادشت في ذلك فرصة سانحة لمقابلة الملك دون الكثير من المراسيم الخاصة، وقرر أن تكون المواجهة حاسمة ومؤثرة، سواء على الملك أو على أتباعه ((تذكر الكتب الدينية أنه تقدم منه حاملاً كرة نارية، ذات وهج وضاء، لا تحرق يديه وجسده، وقد أثار ذلك دهشة الملك كشتاسب وحاشيته))، وتمكن زرادشت من مقابلة الملك الذي سأله عن حاله وسبب المقابلة، فأخبره أنه زرادشت نبي آهورا مزدا، وأنه قصده ليعلن كلمة الحق ضد كلمة الباطل، وجاء بوحي من آهورا مزدا يدعوه ورعيته لاعتناق دين مزديسنا، دين عبادة الإله الواحد الأحد، وترك عبادة كل ما يخالف ذلك.     

  وبعد حوار طويل بين الملك كشتاسب وزرادشت، طلب الملك من زرادشت أن يقابله في المدينة بعد عودته، ليجري امتحاناً له في أفكاره ومعتقداته، من خلال مناظرة خاصة، تعقد بينه وبين كهنة المملكة وكبار رجال الدين فيها، ليتأكدوا من صدق ما يدعو إليه، وقد تركت تلك المقابلة أثراً في نفوس بعض رجال الملك، وفي مقدمتهم الوزير الأول "جاماسبا" الذي تأثر كثيراً بأفكار زرادشت وآرائه .

وبعد عودة الملك إلى بلاطه، دعا إلى عقد مناظرة ( فكرية ) بين حكماء بلاطه وبين زرادشت، وطلب الملك من الحكماء والعلماء ورجال الدين، أن يسألوا ويمتحنوا زرادشت بحضوره، ليرى أي الطرفين على حق.

وعُقدت المناظرة التي حضرها الملك وكبار موظفي الدولة، وقد افتتح رجال الملك المناظرة بمهاجمة زرادشت، إذ اتهموه بإهانة آلهتهم " الشمس، القمر، النجوم، آلهة الخير، آلهة الشر " ومعتقداتهم، والحط من شأنها، علماً أنهم يعبدون هذه الآلهة منذ أقدم العصور، وهي تقوم بحمايتهم ورعايتهم، وتمنحهم الخير وتكف عنهم الأذى.

وجاء رد زرادشت هادئاً وحاسماً، فقال في بساطة أنه لم يهن آلهتهم ولم يحط من شأنها قط،لأنها ليست آلهة أو أرباباً بل هي أصنام أو معبودات من صنعهم لا تستطيع أن تفعل أي شيء، فالشمس والقمر والنجوم وكل الأشياء المادية ليست آلهة،بل أشياء " كائنات " من صنع وخلق آهورا مزدا، خالق كل الكون،من أرض وسماء ونجوم وشمس ونبات وحيوان وإنسان، فهو وحده الإله الذي يجب أن يعبد:

((  الذي كان ويكون وسوف يكون دائماً

الإله، واهب الخير، الأحد، في العالم الروحي،

المعلم والحامي والمنير والخير، والواهب )) . خردة أفستا .

ثم أوضح زرادشت زيف ما أثاره كهنة الملك عن آلهتهم، بالادعاء بأن آلهة الخير تحميهم وتدافع عنهم، فكيف تقوم آلهة الخير " وهي خير مطلق " حسب ما يدعيه الكهنة بأعمال شريرة من خلال الدفاع عنهم وإيقاع الأذى والشر بخصومهم؟ فإيقاع الأذى بالآخرين هو شر، وهذا ما يتنافى مع طبيعتها " الخير المطلق ". وكيف تقوم آلهة الشر وهي شر مطلق بأعمال خيرة بكف أذاها عن الناس، من خلال أدعية وقرابين، وهذا العمل يتنافى مع طبيعتها الشريرة، وقال مخاطباً إياهم :

(( لقد سلبتم الإنسان السعادة والخلود

عندما زينتم له هذه الأفعال، أيتها الآلهة المزيفة

بواسطة الروح الشريرة، والعقل الشرير

من خلال الكلمة الرديئة التي تعد بالسيادة الشرير)) يسنا 32/5

ثم أخذ زرادشت يشرح للحضور مبادئ الدين الذي يدعو إليه، بأمر من آهورا مزدا، وبعد مناقشة وجدال طويل، بينه وبين كهنة وحكماء الملك، استمرت ثلاثة أيام، تجلى فيها ذكاء زرادشت، وسعة إطلاعه وقدرته على الإقناع، ناهيك عن معجزاته، أسقط في يد رجال الملك كشتاسب الذي أعلن انتهاء المناظرة، وقد أعجب الملك بمنطق وأفكار زرادشت، فطلب منه البقاء إلى جانبه، وأفرد له جناحاً في بلاطه،وكان يستشيره في معظم شؤونه،لكنه لم يعتنق دين0

  وفي تلك الفترة اعتنق ابن الملك كشتاسب اسفنديار، والوزير الأول جاماسبا، والوزير"فراشا أوشترا " وقلة من رجال الملك، الدين الجديد فارتفعت بذلك مكانة زرادشت، الأمر الذي أثار حفيظة وغيرة بعض حاشية الملك، وخاصة كهنته الذين قل شأنهم وضعف الاهتمام بهم، فسعوا للتخلص من زرادشت بتدبير مكيدة، توقع به وتثير غضب وحنق الملك ضده، فوضعوا، وبالتعاون مع خادم
جناح زرادشت، في غرفته بعض الأدوات والوسائل التي كانت تستخدم في القيام بأعمال السحر كالشعر والأظافر وأعضاء بعض الحيوانات، وغيرها من المواد التي يستخدمها السحرة، وأخبروا

الملك بأن زرادشت ليس نبياً بل مجرد ساحر يدعي النبوة، بغية خداع الملك ونيل الحظوة لديه، وإثر تفتيش غرفة زرادشت والعثور
على أدوات السحر فيها أمر الملك بسجنه، وسيق زرادشت إلى السجن، إلا أن ذلك لم يؤثر فيه كثيراً، فقد كان تأثيره في
الملك كبيراً، كما أن بعض كبار رجال الدولة كانوا قد آمنوا بدعوته، وهم لا بد وأن يسعوا في سبيل إطلاق سراحه، بالإضافة إلى ازدياد أتباعه بين سكان المدينة، الذين اعتنقوا الدين الجديد على يديه، أو بفضل جهود أتباعه، وكل ذلك يجعل من أمر سجنه حالة مؤقتة .

(( لي أنا الذي ينشد لك المديح كما لم يحدث من قبل

كحق أيها الرب الحكيم _ مع العقل الخير  _  بهمن

لي ولجميع الذين زادت التقوى لهم ( السيادة )

التي لن تنقص أبداً،

لتأت عند دعوتي، وتمنحني التعضيد )) . يسنا 28/3 .

ولم يكتف المتآمرون بسجن زرادشت وحده، بل اتهموا ابن الملك اسفنديار، بأنه كان يتآمر مع زرادشت، للاستيلاء على الحكم فوضع هو أيضاً في السجن، ومن هنا جاء ابتهال زرادشت معبراً عن حالته النفسية:

(( أيها الحكيم: هل سيغلب الرجل العادلُ الخبيثَ ؟

حتى قبل المجيء إلى العقاب الذي أعدته ؟

 الآن في هذا ما يقتضيه صلاح الوجود .)) "يسنا 48/2".

وأثناء وجود زرادشت في السجن مرض جواد الملك،
وفشل معظم أطباء وحكماء الملك في علاجه، ولم تأت ابتهالات رجال الدين بنتيجة " تقول الأفستا أن قوائم الجواد ولجت في بطنه " وبعد أن يأس الجميع من شفاء الجواد، أرسل زرادشت من سجنه إلى الملك كشتاسب، أنه يستطيع أن يبرئ جواده، وقد وجد الوزير جاماسبا في ذلك الفرصة لإنقاذ زرادشت من السجن، وإعادة الاعتبار إليه، فقال للملك: (( إذا كان زرادشت نبياً حقاً فإن في هذا محكاً لمصداقيته، لندعه يعالج الجواد، فإن كان ساحراً سيخفق حتماً، وإن كان نبياً، فمعالجة الجواد دليل براءته من تهمة السحر ))،

فوافق الملك على إطلاق سراحه ليعالج جواده، ولكن زرادشت رفض أن يعالج الجواد هكذا، فله شروطه، وعلى الملك أن يوافق عليها قبل العلاج، فإذا نجح في عمله، فعلى الملك أن ينفذ تلك الشروط، و إلا فله أن يفعل به ما يشاء، أما شروطه فكانت أولاً أن يعتنق الملك والملكة الدين الذي يبشر به، ويعمل بعد ذلك من أجل نشره،
ثانياً إطلاق سراح اسفنديار أيضاً، بعد أن يحقق في أمر التهمة الموجهة ضده " لأن انتصار الزرادشتية ستكون على يديه
حسب الأفستا "، ثالثاً معاقبة الذين حاكوا المؤامرة ضده وضد ابن الملك . 

وقد وافق الملك على شروط زرادشت، وأطلق سراحه، فعالج الجواد حتى شفاه، وتذكر الأفستا أنه ابتهل إلى آهورا مزدا، ثم أخرج قوائم الجواد من بطنه الواحدة تلو الأخرى، وبعد ذلك قام الجواد على قوائمه، وراح يتمسح بالرجل الذي عالجه وأنقذه، وأخذ يلعق يديه ورجليه وسط ذهول حشد كبير من الحضور.

وكان ما قام به زرادشت انتصاراً حاسماً على خصومه في بلاط الملك كشتاسب، وفي مسيرة حياته وديانته، فجاء ذلك برهاناً على نبوته، وقدرته المستمدة من الإله الذي لم يخذله في وقت الشدة، فتعزز موقعه وموقع أنصاره، وخاصة بعد أن أعلن الملك كشتاسب والملكة "هوتكاسه" إيمانهما بدين " مزديسنا "، وطلب من رعيته اعتناق الدين الجديد 0

وأقيمت الاحتفالات في المدينة ابتهاجاً بالدين الجديد، وتخليداً لذكرى اعتناق الملك كشتاسب للديانة الزرادشتية، قام زرادشت بغرس شجرة سرو تذكاراً لذلك الحدث أمام قصر الملك " وتذكر بعض المصادر بأن هذه الشجرة بقيت لغاية عام 247هـ 861م، حيث أمر الخليفة العباسي المتوكل على الله، بقطعها واستعمال خشبها في القصر الملكي الذي شيده في سامراء ".

وانتشر خبر اعتناق الملك كشتاسب وزوجته ورعيته للدين الجديد، فتدفق الناس على زرادشت، يعلنون إيمانهم بما يدعو إليه، وانتشرت الديانة الجديدة إثر ذلك انتشاراً سريعاً، حتى وصل الخبر إلى بقية أفراد أسرة زرادشت، الذين جاءوا أيضاً ليعلنوا إيمانهم بدعوته، وينضموا إلى دينه.

وتذكر المصادر العربية أن الملك كشتاسب، بعد أن آمن بدعوة زرادشت، أمر بذبح اثنتي عشرة ألف بقرة، وربط جلودها بخيوط من الذهب، ودعا الكتبة ليكتبوا عليها بحروف من الذهب أقوال وتعاليم زرادشت، وسمي ذلك الكتاب " الأفستا "0ولم ينس زرادشت فضل وإحسان الملك كشتاسب، ووزيره جاماسبا في نشر العقيدة التي دعا إليها، فراح يذكرهما في أناشيده، ويطلب من ربه أن يمنحهما الثواب ويغفر لهما:

(( إن الملك وشتاسبا قد اعتنق العقيدة التي أوجدها مزدا آهورا
    
الحق المقدس، لقد قبل بالعهد وأقر بحجته،

كما تقبل الدعوة إلى طريق الكرم والإحسان،

 فليتم هذا طبقا لمشيئتك.)).000

 ((وقد آمن جاماسبا في تقوى وطهارة،

 بهذه العقيدة الكريمة،

 وكل من اشترك في إسداء الإحسان،

والاتصاف بالكرم، فهو مخلص لهذه العقيدة،

 خاضع لسلطانها…

 فتفضل يا آهورا، بالإنعام عليهم،

 حتى يجدوا فيك حصناً منيعاً يحميهم )) . يسنا 51/16-18 .

وأرسل الملك، بناء على دعوة زرادشت، الوفود والرسل إلى كافة الأنحاء يدعون إلى اعتناق الدين الجديد، وقد رافق الوفود رجال الدين ليشرحوا للناس مبادئ وأصول الدين، وهدايتهم إلى طريق الخلاص، ويشرفوا على مراسيم الطهارة وحماية النار المقدسة، رمز الإله آهورا مزدا .

وفي غمرة هذه الأحداث، تزوج الوزير جاماسبا من ابنة زرادشت "بوروكستا" الحكيمة، كما تزوج زرادشت للمرة الثالثة من ابنة الوزير فراشا أوشترا " هفوفي " التي قال فيها:

(( لقد وعدني فراشا أوشترا أن يهبني ابنته ذات المحيا الجميل المحببة إلي، فتفضل أيها الملك العظيم كي تهديها الصراط المستقيم، حتى تدرك روحها تمام الإدراك، معنى السلوك القويم، فتصلح بها نفسها )).

و خص والدها ببعض الاناشيد:

(( وأنت يا فراشا أوشترا أفوجفا، وهؤلاء 

الأنصار، الذين نود كلانا لهم ما يشتهون

امض قدماً إلى حيث التقوى متحدة بالحق

حيث يسكن آهورا مزدا وسط النعيم )) . يسنا 46/16 .

وكانت لهفوفي مكانة رفيعة لدى زرادشت وأتباعه، وبما أنها لم ترزق منه بأولاد، فقد شاع أنها ستكون أماً لثلاثة من أبناء زرادشت الروحانيين "الأنبياء" وسيظهر أولهم بعد ألف سنة من وفاة زرادشت، وبعد ألف ثانية سيظهر الثاني، وسيكون الثالث الذي سيدعى "ساووشيان" الذي سيظهر في الألف الثالث مخلصاً للبشرية، إذ سيقود المعركة النهائية ضد قوى الشر فيهزمها، ويطهر الأرض من شرورها.

وقد ساعد اعتناق الملك كشتاسب لديانة مزديسنا، وأنباء المعجزات التي يقوم بها النبي زرادشت وقدراته الخارقة، على انتشار أنباء الدين الجديد في معظم الهضبة الإيرانية، وعندما وجد رجال الدين القديم والكهنة الذين وقفوا في وجه انتشار هذه الديانة، وحاربوها في مهدها، إنهم لا يستطيعون الحيلولة دون انتشارها انضم قسم كبير منهم إلى صفوفها، واسترجعوا مكانتهم السابقة شيئاً فشيئاً، وخاصة بعد وفاة زرادشت.

ونجح الرسل والوفود الذين أرسلهم الملك كشتاسب و زرادشت في إقناع الكثير من الحكام والملوك على اعتناق ما يدعون إليه، في حين رفض البعض ترك دين آبائهم وأجدادهم .

وكان رد ملك التورانيين " وهم قبائل متوحشة حسب الأفستا " عنيفاً، فرفض الدعوة التي أرسلها إليه الملك كشتاسب، ولم يكتف برفضه فقط، بل طلب من الملك كشتاسب، والذي يبدو أنه كان يدفع الجزية للملك التوراني، طلب منه أن يترك دين زرادشت ويعود إلى ديانته القديمة، و إلا فإنه سيتوجه إليه ويرغمه على ترك ذلك الدين بالقوة.

ورفض الملك كشتاسب ترك معتقده الجديد، وبناء على نصيحة زرادشت، امتنع عن إرسال الجزية أيضاً، فأعلن الملك التوراني
الحرب على الملك كشتاسب حامي زرادشت ودينه، واتجه بجيشه نحو مدينة بلخ، وتمكن الزرادشتيون، بقيادة ابن الملك اسفنديار وبمشاركة زرادشت نفسه في المعركة، من إلحاق هزيمة منكرة بالجيش التوراني، الذي رجع إلى موطنه يجر أذيال الخيبة. وقد رسخت تلك
المعركة دين مزديسنا كدين رسمي لمملكة بختريا، ووفرت الأمن والهدوء للمنطقة لفترة طويلة، فراح زرادشت وأتباعه المقربون يعملون من أجل ترسيخ أسس ومبادئ الدين، من خلال التأكيد على وحدانية آهورا مزدا واعتبار الإيمان به هو أساس الإيمان، والتأكيد على واجب كل زرادشتي بمؤازرة أخوته في العقيدة، وإعداد الحماية المطلوبة للدفاع عن الدين، إذ على كل مؤمن أن يعد نفسه

مجاهداً في سبيل هذا الدين، والإعلان باستمرار عن مقت وكره فاعلي الشر المادي والمعنوي والأعمال الصادرة عن مقترفي الآثام والذنوب، والإقرار بإتباع تعاليم آهورا مزدا، وأن يتعهد بأن يسعى ليكون أفضل المخلوقات، ويعمل كل ما فيه من الخير والرشد له وللمجتمع، ويضع تقوى الله فوق كل اعتبار، وأكد على الطهارة
" طهارة الأفكار والكلمات والأفعال "، ناهيك عن القيام بالطقوس والمراسم الدينية المختلفة، ولم ينس زرادشت أهمية العمل والاستقرار، فعد الاستقرار والعمل في الزراعة وتربية الحيوانات المفيدة، واجباً دينياً0

 وفي الفترة التي كان زرادشت يعمل فيها من أجل نشر الدين، ويقوم كشتاسب بترسيخ أسس دولته، مستفيداً من الهدوء والاستقرار في منطقته، في هذه الفترة كان الملك الطوراني، يعد جيشه ويتحين الفرصة للثأر والانتقام من الهزيمة التي لحقت به على يد الزرادشتيين، وبعد حوالي سبعة عشر عاما من هزيمته، شن هجوماً مباغتاً على مدينة بلخ، واقتحمها، وعاث مع جنوده فساداً في المدينة التي تعرضت للتدمير والنهب والسلب.

وبينما كان زرادشت، الذي تقدم به السن، مع حوالي ثمانين من أتباعه يصلون أمام النار المقدسة في أحد معابد المدينة دخل عليهم الغزاة، وطعن أحد الجنود الغزاة زرادشت من الخلف " تسميه الأفستا براتفاركش " وكانت الطعنة قاتلة وتذكر الكتب الزرادشتية أنه قال لقاتله: " كما سامحتك أنا أرجو أن يسامحك آهورا مزدا "، ثم فارق الحياة عن عمر يناهز السابعة والسبعين، وكان ذلك في عام 551ق.م، بينما يقول ول ديورانت في الجزء الثاني من كتابه " قصة الحضارة " أن زرادشت عمر طويلاً حتى أحرقه وميض برق وصعد به إلى السماء .

ومع أن الهجوم كان مباغتاً وسريعاً، إلا أن اسفنديار سرعان ما جمع صفوف جيشه، وتمكن من طرد الغزاة من المدينة، ثم لاحقوهم وألحقوا بهم هزيمة منكرة، أشد من الأولى، استسلم على أثرها الملك التوراني وأعلن عن إيمانه بدعوة زرادشت ودخل هو وأتباعه في الدين الجديد. ورغم أن تأثير مقتل زرادشت كان كبيراً على أتباعه، إلا أن الدين الذي بشر به كان قد ترسخ، بعد أن نظم صفوف رجال الدين، ومراتبهم وأرشدهم إلى سبل العمل، ولم يمض وقت طويل على وفاته، حتى غدا دين مزديسنا الدين الرسمي لأكبر إمبراطورية في العالم القديم، وهي الامبراطورية الإخمينية _ الميدية، على يد الملك دارا الأول "داريوس" 522-486 ق.م.


 

  الأفستا

 

 هو الكتاب المقدس للزرادشتيين، الذين يؤمنون إيماناً كاملاً بأنه أُنزل على زرادشت عن طريق الوحي، منحه إياه آهورا مزدا مكافأةً له على صبره، عندما صب أهريمان الرصاص المذاب في أحشائه، ليشككه بآهورا مزدا، وعندما ثبت على إيمانه ولم يتزعزع عن عقيدته،تجلى له ربه وأرسل له الملاك بهمن، ليلقنه الأفستا، وفي اليسنا إشارة إلى هذا المعنى على شكل خطاب من بهمن إلى آهورا مزدا:

(( يقول بهمن : إن الشخص الوحيد الذي عرفني هنا

والشخص الذي سمع ديني

هو زرادشت سبتيمان، يا مزدا

حيث ينشد فكرنا، وعقيدة دين الحق

لذلك وهبته الكلام المحبوب  . ..)0    يسنا 29/8 .

 والأفستا هو المصدر الرئيسي للديانة الزرادشتية، وقد فسر بعض الباحثين معنى الأفستا بالأصل والمتن، باعتبارها أساس الديانة الزرادشتية، استناداً إلى اشتقاقها من كلمة " Uupsta " التي تعني الأساس والأصل والبنيان، وفسرها قسم آخر بالمعرفة، حيث يمكن أن تكون مشتقة من الجذر الهندي VED وتعني "يعرف"، وذلك بإجراء مقارنة بين الأفستا والكتاب الهندي المقدس " فيدا VEDA معرفة "، المعرفة التي توصل المخلوق لكسب رضا الخالق 0

  وقد وردت بنفس الصيغة في الكتابات القديمة والحديثة فجاءت في نقش " بهيستون " الذي كتبه الملك دارا الأول 522-486 ق.م، بصيغة   " أبستام "، و سميت بالفهلوية البرثية والساسانية " أبستاك " وبالسريانية    " أفستاكا "، وبالعربية " الأبستاق "0

وتتضمن الأفستا أناشيد وأحاديث وتعاليم زرادشت، التي دونت في عهد الملك كشتاسب، على جلود اثنتي عشرة ألف بقرة، حسب المصادر العربية، وعلى نسختين، احتفظ الملك بنسخة منها وأرسل الأخرى إلى مدينة برسيبوليس " اصطخر " عاصمة الإمبراطورية الفارسية في العهد الإخميني 0  

  وعندما قضى الاسكندر المقدوني على الإمبراطورية الإخمينية سنة      (330ق.م ) وأحرق العاصمة برسيبوليس، التهمت النيران أجزاءً كبيرة من الأفستا، ولم يسلم منها إلا حوالي الربع أو الثلث  

 أما اللغة التي دونت بها الأفستا في عهد زرادشت، (( و الأفستا هو الأثر الوحيد الذي بقي من هذه اللغة، كما كانت عليه في زمن زرادشت ))، فهي لغة زرادشت التي سماها بعض الباحثين اللغة الأفستية، لأنها اقتصرت على تدوين النصوص الدينية ورجال الدين فقط، بينما أشار بعض الباحثين إلى أنها دونت باللغة الميدية ( الكردية القديمة ) وذلك استناداً على إجراء مقارنة بين الأناشيد (كاثاها
 GATHAHA ) التي تعتبر لب الأفستا القديمة والتي وصلت إلينا سليمة، ويؤكد معظم الباحثين، حتى الذين يسمون اللغة التي دونت بها الأفستا بالأفستية، أن الـ كاثاها دونت بلغة زرادشت الأصلية  وهي اللغة الميدية0

أما الذين يقولون بأن الأفستا القديمة دونت باللغة الميدية، فيستندون إلى الأبحاث المقارنة التي تمت بين لغة الأناشيد في الـ كاثاها وبين اللهجة المُكرية الحالية، حيث وجدوا بينهما تشابهاً كبيراً ولهجة هذه القبيلة الكردية صافية بليغة، وغنية جداً، تتميز بكثرة مفرداتها، وتعدد الصيغ والتعابير فيها، وقد حافظت على قواعدها النحوية، ونقاوتها، مع احتوائها على عدد كبير من الكلمات التي وردت في الأفستا ومن ثم،في الـ " زند أفستا " وهي أقرب من جميع اللهجات واللغات الإيرانية القديمة إلى لغة زرادشت (لا بل إن المؤرخ دراميس تيتر يقول أن لغة زرادشت هي اللغة المكرية نفسها )، علماً أن هذه القبيلة تستوطن منذ فجر التاريخ مقاطعة ماكنا الميدية " جبال صاوجبلاق- التي تشرف الآن على مدينة مهاباد " وهي مسقط رأس زرادشت، الذي ولد في جنوب غرب بحيرة أورمية، التي تكوّن الجزء الشمالي من منطقة مكري الحالية0

وقد احترق الجزء الأكبر من الأفستا، على يد الاسكندر المقدوني
( يقول رجال الدين الزرادشتي، أن الاسكندر نقل نسخة من الأفستا إلى بلاده كانت مصدر رقيهم وعلومهم، وأمر بحرق النسخة الثانية في المكتبة الملكية بمدينة برسيبوليس )، و تفرقت البقية الباقية من أجزاء الأفستا، التي نجت من الحرق في المعابد وبيوت النار0

وبعد أن أصبحت الزرادشتية الديانة الرسمية للدولة البرثية
( الأشكانية ) أمر الملك البرثي بلاش الأول 51-78م، بجمع كل أجزاء الأفستا المتفرقة، المكتوبة منها أو الباقية في صدور المؤمنين عن طريق التواتر، فأعيدت كتابتها باللغة الفهلوية ( البهلوية، الفارسية الوسطى ) 0   

وبعد قضاء الملك أردشير على الدولة البرثية وتأسيس الدولة الساسانية، والإبقاء على الزرادشتية ديناً رسمياً لدولته، على غرار البرث، أمر أحد كبار رجال الدين وهو الهربدان هربد " تنسر" بجمع النصوص المبعثرة من الأفستا البرثية، وكتابتها باللغة الساسانية
( الفهلوية الساسانية )، فقام تنسر بعمله، وبعد أن أتمه، عرض النص على بقية كبار رجال الدين في الدولة، وإثر الموافقة عليه من قبلهم، أُجيز من قبل الملك أردشير 0

 وعندما جاء ابنه الملك سابور الأول، أمر بشرح نصوص الأفستا وإضافة نصوص أخرى عليها، لم تكن تتعلق بالدين فقط، بل كانت تبحث في الطب والنجوم وما وراء الطبيعة، والتي كانت موجودة في الهند واليونان وغيرها من البلاد، وقد سميت تلك الشروح وما أضيف على الأفستا البرثية باسم زند أفستا" أي شرح الأفستا"، ووضع الملك نسخة من الأفستا والزند في معبد " آذر كشنسب " في مدينة شيز0

ولكن ظهر الخلاف فيما بعد بين بعض رجال الدين الزرادشتي حول تلك الإضافات، وبعض النصوص الأخرى، فأمر الملك سابور الثاني بعقد (( مجمع _ مؤتمر ديني )) لوضع حد للخلافات بين رجال الدين برئاسة الموبدان موبد " آذر بدمهر سبندان " الذي حدد نهائياً نص الأفستا، وقسمها إلى واحد وعشرين نسكاً " سفراً، قسماً " على عدد كلمات الصلاة المقدسة ( يتا آهوو ئيريو ) ولإثبات قداسة هذا النص أدى آذر بدمهر الابتهال بالنار، بصب المعدن المذاب على صدره على طريقة زرادشت0 أما أقسام الأفستا – الأنساك - فهي:

1- ستوت يشت .  2- سوت كر .  3- ورشت مانسر .
 4- بغ 0  5 - وشتكك0  6 -هادو خت0  7 – سبند 0
 8 –دام دات0 9 - ناثر010 - باجك0 11- رتودات أستك0  12 – بريش 0  13- كشكيسروب0 14 - ويشتاسب ساست0 15 - نيكا توم0  16 - كنب سرغيت0 17-هو سبارم0
 18 - سكا توم0 19 - وند يداد0  20 - جيتهر دات0
21 - بغان يشت0

وقد قسم كل نسك إلى مجموعة من الفصول ( مزكرد، أو بركرد، أي سورة ) ومجموعها ألف مزكرد أي ألف فصل أو سورة، ولم يبق من الأفستا الساسانية إلا جزء قليل، فقد أشار الباحث ويست West، وهو من المتخصصين في الدراسات الأفستائية، إلى أن: (( الأفستا الساسانية كانت تشتمل على /345.700/ ثلاثمائة وخمس وأربعين ألفاً وسبعمائة كلمة،وما تبقى منها الآن /83.000/ ثلاث وثمانون ألف كلمة ))0

 ويعود الفضل في اكتشاف ونشر الأقسام المتبقية من الأفستا الساسانية، إلى العالم الفرنسي أنكتيل دوبرون، الذي وجد في سنة 1754م، عند أحد المستشرقين صحائف مخطوطة، وعندما استفسر عنها، قيل له أنها مخطوطة أرسلت من الهند، وعجز العلماء والمستشرقون عن قراءة خطها، فرحل دوبرون إلى الهند، وفي مدينة سرات، وهي من المراكز الرئيسة للزرادشتيين، الذين يسمون في الهند الـ" بارسيين "، تعرف على بعض رجال الدين الزرادشتي، فعقد دوبرون علاقات طيبة مع عالمين منهما، معروفين بتضلعهما في لغة الأفستا واللغة الفهلوية، وقد عاد دوبرون إلى باريس سنة 1760م، يحمل معه " مائة وثمانين " مجلداً مخطوطاً زندياً وفهلوياً وفارسياً وسنسكريتياً، وفي سنة 1771 نشر ترجمة فرنسية لـ زند أفستا، بعد أن استعان بأجزاء أخرى من الأفستا، وجدها في مكتبة بودليان بباريس، أما الأجزاء المتبقية من الأفستا فهي:

1_ يسنا: وتعني العبادة والسلام والحمد والدعاء، كانت تشكل القسم الأول من الأفستا " الافتتاح "، تتألف من /72/ فصلاً
( هايتي بالأفستية أو هات بالفهلوية )، وتحوي على أدعية ومباحث دينية، وتتضمن إشارات إلى سيرة زرادشت وأسرته وعشيرته0

أما أهم ما تحتويه اليسنا فهي (الـ كاثاها أو الكاتا) الأناشيد، التي ينسبها معظم الباحثين إلى زرادشت نفسه، وهي تتألف من خمس (كاثات) تحوي 17 نشيداً " يسنا " من 28 حتى 34، ومن 43 حتى 51، بالإضافة إلى النشيد 53، إن هذه الأناشيد تشكل أهم أجزاء الأفستا وأعظمها قداسة، وهي عبارة عن مجموعة من المواعظ النبوية تحمل طابع شخصية تقية ورعة راغبة في أن تفهم الحقيقة، وأن تناضل من أجلها، والظاهر أن هذه الأناشيد كانت ترتل بصوتٍ عال من قبل مجموعة من رجال الدين، بشكل يشبه الغناء في الأعياد والاحتفالات الدينية0

2_ ونديداد: القانون المضاد للشياطين، وقد كُتب هذا الكتاب في بداية العهد البرثي، وقد وصلنا كاملاً، ويتضمن اثنين وعشرين فصلاً ويطلق على كل فصل بركرد أو مزكرد0

وهذا الكتاب كان بمثابة القانون الديني للزرادشتية، إذ يحتوي على مجموعة من القواعد والمراسيم المتعلقة بالنجاسة والطهارة، والتوبة وحفظ المواثيق والعهود، كما يتعرض للمشكلات الاجتماعية، كالزواج والعفة وغسل الموتى، والطهارة " طهارة النفس والبدن والملابس "0 كما يبين الطقوس التي يخضع لها رجال الدين، التي عليهم ممارستها والتحلي بها خلال حياتهم، بالإضافة إلى بيان الصراع بين قوى الشر وقوى الخير، كما يعطي لمحة عن قصة نشوء الكون0

3_ ويسبرد: ويتكون من 24 فصلاً "كرده"، ويبحث في الطقوس الدينية والابتهالات التي ترفع إلى الإله الأعظم آهورا مزدا0

4_ يشت: ويتكون من 21 نشيداً من التسبيحات الغنائية والأدعية، التي تتلى في الصلوات، وعند تقديم القرابين والضحايا، أمام النار المقدسة، وأثناء تقديم الهاوما (( الشراب المقدس ))، ويطلق على كل نشيد " كرده "، كما يحتوي أيضاً على بعض القصص عن مخلوقات آهورا مزدا ونشوء الكون0

5_ خرده أفستا: ((الأفستا الصغيرة)) وتشتمل على سلسلة من الصلوات والأدعية المختصرة، التي تتلى في مناسبات الحياة المختلفة، والتي يتوجب على كل زرادشتي أن يتلوها في أوقات الصلوات الخمس، وفي الأعياد الدينية، وهي تبدأ بصلاة يتا أهو وئيريو، وكانت من أكثر الكتب انتشاراً بين العامة لبساطتها، حيث لم يكن يخلو منها أي بيت0

6_ نسك هو سبارم : وهو قسم من الأفستا الساسانية، وقد نشر داراب وستور بيشتوان سنجانا في عام 1984، في بومباي بالهند، قسمين منه، وهما : هير بدستان " قانون الروحانيين "، ونير بخستان  " قانون المراسيم الدينية "0ويتناول ( هيربدستان ) موضوع إرسال رجال الدين لتعليم المؤمنين وإقامة المراسيم الدينية، والوسائل التي عليهم اتخاذها لضمان استمرار العبادات في أثناء غياب رجال الدين، من أجل إقامة واستمرار الطقوس الدينية في غيابهم، وقد ترجمهما بسارا إلى الإنكليزية ونشرهما في بومباي بالهند سنة 1915م0

وهناك مجموعة من الكتب الدينية الأخرى، التي تناولت الديانة الزرادشتية، وشرحت أصولها ومبادئها، وقد كتبت في عصور مختلفة منها:

أ_ البندهش: ويحوي مختصراً لبعض أجزاء الأفستا الساسانية، والزند أفستا، تتناول خلق العالم والتاريخ الخرافي وتاريخ العالم الطبيعي، ويعد هذا الكتاب من أهم الكتب الزرادشتية الآن لأنه يعطي لمحة عن محتويات الأقسام المفقودة من الأفستا الساسانية، وقد طبع مصوراً، نشره Anklesaria في بومباي سنة 1908.

ب_ داستان مينوك خرد: أي روح مذهب الحكمة، أو مذهب الحكمة الإلهية، كتب في القرن الأخير من عهد الدولة الساسانية، ولو أنه نقل إلينا في زمن لاحق للساسانيين0

جـ _ ماذيكان هزار دادستان: أي ألف فتوى قضائية في التشريع الفهلوي، ألفه رجل الدين فرخمرد، و يقع في 74 ورقة، وقد نشر الأستاذ مودي " 55 " ورقة منه في بومباي سنة 1901م0

د _ دين كرد: ويبحث في المسائل الدينية، كتب بالخط الفهلوي في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، وقد كتب القسم الأعظم منه الموبدان موبد " آذر فر نبغ بور فرخذاد " موبدان موبد الزرادشتيين في عهد الخليفة المأمون، ويقع في تسع مجلدات0

هـ_ كتاب تنسر: وهو عبارة عن رسالة تاريخية وسياسية وأخلاقية، في صورة مراسلة بين هربدان هربد تنسر، وهو من كبار علماء الزرادشتيين في عهد الملك أردشير، و ملك طبرستان، الذي لم يكن ملماً إلماماً كافياً وصحيحاً بالزرادشتية وبقيام الدولة الساسانية، وكان متردداً في الخضوع للملك أردشير، ويحتوي على مجموعة من الإرشادات والنصائح في مجال الدين والدولة، وقد نشرته مكتبة مينوى _ طهران عام 1932 بالفارسية، وترجمه يحيى الخشاب إلى العربية، ونشرته مطبعة مصر عام 1945 0

و_ دستان دينك: أي القصة الدينية، وهو كتاب ديني يعالج مبادئ الديانة الزرادشتية باللغة الكردية " اللهجة الكرمانجية "0

ز_ أرده ويراف نامه: والكتاب وصف لرحلة خيالية، قام بها الناسك الزرادشتي " أرده ويراف " إلى الحياة الثانية، بناء على طلب أحد الملوك الساسانيين، لوصف الفردوس والجحيم، فيقوم " أرده ويراف " برحلة خيالية، ويصف ما شاهده في الحياة الثانية، ويعتبر هذا الكتاب من أقدم الكتب التي تصف الجنة والجحيم0

ح _ وظهرت في القرن الأخير من الحكم الساساني عدة رسائل شعبية في الأخلاق كانوا يسمونها " أندرز، أو بند نامة_ كتب النصائح " وكانت تتضمن قواعد الأخلاق والحكم، وتنسب غالباً إلى العظماء التاريخيين أو الخرافيين، ومنها: " أندرز أوشر الحكيم، أندرز آذر بدمهر سبندان، كبير الموابدة في عهد سابور الثاني"، " آندرز زرادشت بن آذرباد، وبندنام زرادشت، وبندنامك بزر جمهر، أندرز خسروي كواذن…" بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الكتب الأخرى، والتي كتبت عن الزرادشتية ..

 

قصة الخـلـق

ونشوء الكون

 

تتشابه قصة نشوء الكون وخلق العالم في الديانة الزرادشتية، في بعض مظاهرها، مع ما كان سائداً لدى شعوب العالم القديم، وخاصة ما كان سائداً في بلاد الرافدين، من خلق الكون أولاً، ومن ثم خلق الناس من أبوين، و ابتعاد الناس شيئاً فشيئاً عن عبادة الخالق، وغضب الخالق على خلقه، واعتزامه على أن يسلط عليهم طوفاناً يهلك جميع من على وجه الأرض، إلا طائفة قليلة منهم.

ولكن ما يميز فكرة الخلق والتكوين في الزرادشتية، هو الصراع بين قوى الخير، متمثلة بآهورا مزدا، وأتباعه من الملائكة، والأرواح الخيرة، والإنسان الصالح الذي يقوم بواجبه الطبيعي في الوقوف إلى جانب هذه القوى، وبين قوى الشر، من الشياطين، والسحرة والساحرات، والأشرار، التي يقودها أهريمان وأتباعه.

ومع أن هذا الصراع يبدو وكأنه يدور بين قوتين متماثلتين في الظاهر، إلا أنه ليست كذلك في الواقع، فآهورا مزدا الأزلي، خالق النور والظلمة، أزلي لا يحده زمان ومكان، هو نفسه خالق الخير والشر، وخالق أهريمان نفسه، الذي وإن كان يستطيع خلق بعض العناصر، إلا أنه لا يضاهيه في القوة والقدرة على الخلق، ولا معرفة الغيب، بينما آهورا مزدا وحده يعرف الغيب، كما يعرف مصير جميع الكائنات بما فيهم أهريمان نفسه.

والدورة الكونية في الزرادشتية تتألف من اثنتي عشرة ألف سنة
( بعدد الأفلاك السماوية والأشهر الزرادشتية ) وكل دورة مدتها ثلاثة آلاف سنة، تمر بأربع مراحل متتالية:

1 – الدورة الكونية الأولى: في هذا الدور يقوم آهورا مزدا، الموجود منذ الأزل، بخلق عالم النور أولاً، ومن ثم خلق الفرافاشي، وخلق بعد ذلك عالم الظلام، الذي يعيش فيه أهريمان، والعالمان متجاوران في هدوء، وهما لا متناهيان من جوانب ثلاثة، ولكن كل منهما يحد الآخر من الجانب الرابع، عالم النور في الجانب الأعلى، وعالم الظلام في الجانب الأسفل، وبينهما فراغ مملوء بالهواء.

و الإله آهورا مزدا الأزلي، غير محددٍ بالزمان، إذ لا تاريخ لوجوده، ولا نهاية لبقائه، لكنه محدد بأهريمان في المكان، لفترة محددة، وبعد أن تنتصر قوى الخير نهائياً، وينهزم أهريمان، يصبح لانهائياً في المكان أيضاً، أما أهريمان فمحدود بالزمان و المكان، وكل ما في هذا الدور حالة روحية، إذ خلق آهورا مزدا الفرافاشي، و هي كائنات روحية مجردة وتسمى هذه الحالة الروحية تسمى (( مينوك ))0

2_ الدورة الكونية الثانية: في هذا الدور يرى أهريمان عالم النور، ويضمر في نفسه القضاء عليه، من أجل السيادة على العالم، فيبادر آهورا مزدا الذي يعرف ما يفكر فيه أهريمان، والذي تبصر المعركة مسبقاً، لأنه يعرف الماضي والحاضر و المستقبل، بأن يعرض على أهريمان حقبة من الحرب طولها تسعة آلاف سنة، فيقبل أهريمان الذي لا يعرف غير الماضي، وعندما أنبأه آهورا مزدا بأن المعركة سوف تنتهي بهزيمة عالم الظلام، وسيسود النور الكون إلى الأبد، يفزع أهريمان من ذلك و يسقط في عالم الظلمات، ويبقى فيها مشلولاً مدة ثلاثة آلاف سنة 0

عندها بدأ آهورا مزدا بخلق العالم المادي (( جيتيك )) بهدوء، فخلق أولاً السماوات،ثم الماء، ثم الأرض، ثم الثور المقدس(( هوما ))، ومن ثم خلق النباتات والحيوانات النافعة، وفي المرحلة السادسة والأخيرة خلق الإنسان الأول جيومرد (( كيو مرد _ كيا مرتن في الأفستا، أي الذي سيصل إلى الموت، أو الذي سيموت، الفاني، أو الحياة الفانية ))، والذي خُلق طاهراً نقياً، طيباً، روحاً و جسداً.

وبعد أن أنهى آهورا مزدا خلق العالم المادي_ جيتيك _ الذي كان مشابهاً للعالم الروحي _ مينوك _ من حيث النقاء و الطهارة، إذ خلقه من نفس المادة ( الذرات ) التي خلق منها الكائنات الروحية، خرج أهريمان من مكمنه وسعى للقضاء على خلق آهورا مزدا، وبما أنه كان يملك القدرة على خلق العناصر الشريرة والسيئة فقط، لذا خلق كل ما هو شر في هذا العالم، الشياطين وطوائف من الزواحف والحشرات الضارة الأفاعي والعقارب، والوحوش المؤذية، والطباع الشريرة، كالكذب والحسد والحقد والضغينة، وكل ما هو ضار و سيئ، للاستعانة بها في صراعه ضد القوى والكائنات الخيرة، التي خلقها آهورا مزدا، وألقى بكل قوته ضد هذا الخلق، فنجس العناصر المقدسة (( الماء و النبات و النار والتراب )) إذ لوث الماء وسمم النباتات، ونجس النار الطاهرة عندما ألقى بنفسه عليها، فأدى امتزاج بعض عناصر خلقه مع النار إلى إثارة الدخان منها، فأقام آهورا مزدا خندقاً أمام السماء، لمنعه من الوصول إلى مبتغاه، إلا أن أهريمان و عناصره الشريرة تمكنت من تمزيق محيط السماء، ونجح أهريمان في قتل الثور الأول، ثم هجم على جيومرد حتى تمكن من قتله، ولكن أهريمان بقتل جيومرد، لم يقضِ على الجنس البشري، إذ كانت بذور منيه ( المطهرة بنور الشمس ) مخبأة في الأرض، ونتج عنها بعد انقضاء أربعين سنة شجرة أو عشبة الراوند، وخرج منها أول زوجين من البشر، ذكر وأنثى، مشيك ( آدم ) ومشيانك
( حواء )، وقد أمرهما آهورا مزدا بفعل الخير، والإيمان به كخالق للكون وعدم الخروج عن طاعته، وعدم عبادة الشياطين أو الإيمان بها، والامتناع عن الطعام، إلا أنهما انقادا لإغواء أهريمان، وخالفا أوامر آهورا مزدا، وصرحا بأن أهريمان هو خالق الأرض و الماء و النبات، وبعد أن امتنعا عن الطعام لمدة شهر ( ثلاثين يوم ) دفعهما أهريمان مرة أخرى لمعصية آهورا مزدا، فتناولا لبن العنزة، ثم تظاهرا بعدم الرضى، و قد أدت فعلتهما هذه، وتصريحهما بخلق أهريمان للأرض والماء والنبات، والكذب بعدم استساغة لبن العنزة، إلى تقوية أهريمان وأتباعه، و نتيجة لذلك أدين الزوجان لعدم وفائهما، لذا ستبقى روحهما في الجحيم حتى يوم القيامة0

وخلال خمسين سنة لم تكن لمشيك ومشيانك أية رغبة جنسية، ولكنهما تزوجا بعد ذلك، وولد لهما توأمان لطيفان، لدرجة أن الأم افترست واحداً والأب الآخر، عندئذ حرم آهورا مزدا أكل لحوم الأولاد، لكي يبقي آباؤهم على حياتهم، ويشملوهم برعايتهم، وبعد ذلك رزق مشيك ومشيانك بأزواج أخرى من التوائم التي أصبحت أجداد كل الأعراق البشرية.

3 - الدورة الكونية الثالثة: وتسمى هذه الدورة بفترة الاختلاط " كوميزشن " أي اختلاط الخير مع الشر، فقد كان الإنسان الأول طيباً بذاته، إذ خلق طيباً وموهوباً بروحٍ وجسدٍ خالد، تماماً كجيومرد، وعندما دخل أهريمان إلى العالم المادي وقتل جيومرد، لم يستطع بسبب محدودية قدراته إلا قتل الجسد، بينما بقيت الروح حية خالدة، وبما أن الروح لا تستطيع أن تعمل إلا من خلال الجسد الذي تسكنه، والذي صنع من نفس ذرات مادة الروح، لذا فالجسد هو أداة أو لباس الروح، وقد كان في الأصل وضاءً ومعطراً، ولكن الشبق الذي خلقه أهريمان جعله نتناً، وكذلك نتيجة اختلاط الطهارة والطيبة مع الشر بعد مهاجمة أهريمان الإنسان الأول، وامتزاج أو اختلاط بعض عناصر خلقه الشريرة بجسده، وقد انتقل ذلك إلى مشيك ومشيانك، ومن ثم إلى أولادهما من الجنس البشري، وفي الحياة الثانية ستجد الروح جسداً مبعوثاً طاهراً ونقياً كجسد جيومرد.

و في هذا الدور، يلعب البشر دوراً في الحرب بين مملكتي النور والظلمة، وذلك بوقوفهم إلى جانب قوى الخير، أو بانضمامهم إلى قوى الشر ومساعدتها على تنفيذ مهمتها في السيطرة على العالم، والإنسان في هذه المعركة مدعو إلى إتباع الطريق الذي رسمه آهورا مزدا، ولكنه حر في اختيار الطريق الذي يريد السير عليه، فكل فرد سيحاكم حسب العمل الذي أنجزه على الأرض.

فالخيرون هم حلفاء وأنصار الخير والعدالة، وعليهم أداء الرسالة التي كلفوا بالقيام بها، وهي مناوئة ومحاربة قوى الشر، والإنسان سينال جزاءه في الآخرة بقدر جهاده لنصرة الخير على الشر، والنور على الظلمة، ونشر مبادئ وقيم الدين الذي أمر آهورا مزدا بالعمل على نشره، فالذي يتدخل بجدية إلى جانب قوى الخير، سيكون جزاءه (( العافية والخلود في مساكن العليين )) أما المذنبون والأشرار ومناصرو الظلم فإنهم (( سيبقون للأبد ضيوف منزل الشر )). فمن ساند الخير وعمل على انتصاره وتحقيق العدالة التي بشر بها زرادشت، وأدى طقوس وشعائر الدين، سيعبر جسر الصراط " جنيفات " ثم يدخل الفردوس بسلام، أما الأشرار ونتيجة لأعمالهم السيئة فحينما يصلون إلى فوق الجسر، فإنه سيصبح حاداً كالسيف، ورفيعاً كالشعرة، فيهوون إلى غياهب الجحيم.

وفي هذا الصراع المحتدم بين قوى الخير وقوى الشر، تأخذ الملائكة والأرواح الطيبة " فرافاشي " مهامها، وتساعد الإنسان وتقف إلى جانبه من أجل قهر قوى الشر، هذه القوى التي تبدو وكأنها متفوقة في هذا الدور بسبب ضلال الناس وابتعادهم عن طريق الصواب، والانقياد للأشرار، فيرسل آهورا مزدا في الألف الأخيرة من هذا الدور " أي الألف التاسعة من عمر البشرية " زرادشت ليهدي الناس إلى طريق الحق، وليقود هو وأتباعه قوى الخير في صراعهم ضد قوى الشر، وبظهور زرادشت يدب الضعف والتخاذل في قوة أهريمان، الذي يحاول جاهدا التخلص من زرادشت أو حرفه عن مهمته، ولكنه يفشل في ذلك.

وقد أضافت الكتب الدينية الزرادشتية، التي دونت في عهد الدولة البارثية، والعهود التي تلت ذلك، اسم ميثرا إلى هذا الدور، فبعد ما تمت إعادة الاعتبار لميثرا وأصبح ملاكاً من ملائكة آهورا مزدا، تمت إضافة دوره ومهامه الخارقة إلى هذا الدور، فتذكر بعض الكتب أنه وبعد أن ازداد ضغط قوى الشر على المؤمنين، ومالت كفة الصراع إلى جانبهم، أرسل آهورا مزدا ميثرا ليساعد قوى الخير، فهبط ميثرا في الألف السابعة، وأخذ يهاجم الكفرة وقوى الشر، ويضربهم بسيفه المصنوع من البرق، فهربت الشياطين منه ومن سلاحه الحاسم .

4_ الدورة الكونية الرابعة: في هذا الدور تنتصر قوى الخير، ويتم تطهير الأرض من الشياطين وعناصر الشر، فقد بشر زرادشت بظهور ثلاثة أنبياء " مخلصين " من أبنائه في كل ألف سنة من السنوات المتبقية من الحياة البشرية على الأرض، وهي ثلاثة آلاف سنة، وسيظهر المخلص أو المنقذ ساؤوشيان من بذور زرادشت المخبأة في إحدى البحيرات " بحيرة كاسنويا "؟ .

وفي اللحظة التي يولد فيها المنقذ الحقيقي، آخر المنقذين الثلاثة، تبدأ المعركة الأخيرة والحاسمة بين قوى النور والخير، بزعامة ساووشيان ومؤازرة الأرواح الخيرة والمؤمنين الصالحين من جهة، وقوى الشر بزعامة أهريمان، التي تستفز قوتها، فتبعث التنانين وأبطال الشر آزو، والديوات من جهة أخرى، وينتهي الصراع العنيف بهزيمة نهائية لقوى الشر، فيهوي أهريمان في عالم الظلمات إلى الأبد.

وفي نهاية هذا الصراع، وبعد أن تنتصر قوى الخير نهائياً، يأمر آهورا مزدا ببعث الموتى جميعاً، ويقع نجم " جوتجهر" على الأرض، فتنصهر وتذوب جميع المعادن وتنتشر على الأرض كالسيل، وعلى الناس جميعاً الأحياء أو الذين بعثوا من القبور، أن يعبروا هذا السيل الذي يكون كاللبن للأتقياء، فيطهرهم من ذنوبهم، ويجتازون جسر جنيفات بسلام، ويمضون إلى الفردوس، أما الأشرار فيحترقون في السيل ويتعذبون فيه، وعندما يصلون إلى جسر جنيفات يصبح أمامهم كالسيف، فيهوون في جهنم حتى ينالوا عذابهم، جزاء أعمالهم وأفعالهم السيئة التي اقترفوها في حياتهم .

وإثر ذلك تمُّد الأرض وتنبسط، وتصبح طاهرة مطهرة، وتبقى كذلك إلى الأبد، في سكون لا يعكر صفوها شيء، وهذا ما يطلق عليه (( فرشو كرتي )) أي التصفية والتجديد، عند ذلك يصبح آهورا مزدا لا نهائياً في الزمان والمكان، ويعبد كإله واحد لا شريك له.


 

آهورا مزدا

والملائكة

 

بني دين الآريين، قبل ظهور زرادشت، على عبادة قوى الطبيعة، والعناصر والأجرام السماوية كالشمس والقمر والنجوم والريح، وبعض الحيوانات كالثور، وعبادة آلهة خاصة كميثرا، وآناهيتا، وآلهة محلية أخرى، وقد جاء في الزند أفستا، في بيان عقائد الأقوام الآرية الأولى: (( إن أساس عقيدة هؤلاء الأقوام يرجع إلى تقديس شيئين هما الخير والشر، فالذي يفيد الناس وينفعهم من الأمور صادرة عن إله الخير، مثل الضوء والرزق والأمطار … كما أن الأعمال والمعاني التي تضر الإنسان ولا تفيده مثل الأمراض والكوارث والأزمات والجفاف والقحط والغلاء، فهي صادرة عن إله الشر والظلام )).

فكانوا يقدسون الأول ويحبونه لفضله ولإحسانه المحض، ويخشون الثاني ويتحاشون ضرره، فيقيمون له الصلوات ويرفعون إليه الدعوات بتلاوة أدعية وتراتيل دينية خاصة لنيل رضاه، وقد صارت تلك الأدعية والصلوات مع مرور الزمن مادة أصلية لأعمال السحرة والكهان.

وقد جاء في النصوص الزرادشتية المقدسة (( إن البشرية كلما تعثرت في روحانيتها، وابتعدت عن الطهر والنقاء، وحادت عن صراط النعيم السرمدي، واجتنبت وسائل البر، ونأت في الوقت نفسه بالأوزار والشرور، وضجت وأرادت التخلص منها، ودعت الله للخلاص من تلك الحالة، أرسل الله الرحمن الرحيم أنبياءه مبشرين بالأمان والسلام، وأفشوا الروحانية السامية، وهدوا إلى حيث يتبوأ المرء مكانه من السعادة الأبدية والفردوس المقيم )) وقد جاء في نشيد من أناشيد " كاثاها " أن أسلاف الآريين القدماء، عندما تزاحمت عليهم الفواجع الطبيعية، ورزحوا تحت نير الجبابرة والطغاة، ومن مسلك ذوي النفوس الشريرة، وعانوا من جور الذين اتخذوا المردة مصدر عبادة لهم، وقاسوا من إجحاف الآثمين، فضاقوا ذرعاً بكل ذلك وطفح بهم الكيل، ولم يستطيعوا تحمل المزيد، تضرعوا وصلوا للرب أن يرسل إليهم مخلصاً، ليرشدهم إلى سبل الخلاص، فاستجاب لأدعيتهم الصادقة وابتهالاتهم وخشوعهم، فأرسل لهم زرادشت لينقذهم من نكبتهم.

وعندما جاء زرادشت، وضع حداً لعبادة المردة (( الديوات،  وللثنائية )) بالدعوة إلى عبادة إله واحد أحد، خالق ومبدع الكون، مطلق القدرة، تفيض عنه كل الموجودات، هو آهورا مزدا، إله العالم والناس جميعاً.

وكان آهورا مزدا، كإله، موجوداً قبل زرادشت، إذ كان معروفاً للميديين والفرس معاً، أي في غرب وجنوب هضبة إيران، و آهورا هو اسم مشتق من اسم الإله آسورا، إله العهد والقانون، أحد آلهة آريي الهند وإيران، وهو مركب من مصطلحين آهورا: أي الكبير أو العظيم، ومزدا: أي العاقل أو الحكيم، وبهذا يكون معنى آهورا مزدا: الإله الكبير والحكيم، أو الإله العظيم العاقل، ولكنه عرف برب الحكمة، وقد ورد اسمه في الأفستا مركباً ( آهورا مزدا ) أو بصيغة آهورا بشكل مفرد، وأحياناً مزدا فقط.

أما رمزه فكان الشمس والنار، الشمس التي تفيض بخيرها على الكائنات فتمنحها الدفء والحياة، والنار الطاهرة، التي لا يمكن للفساد أن يتطرق إليها،وتهب الضوء والدفء،وتبدد الظلام، وقد مُثل آهورا مزدا برسم قرص شمس مجنح،يخرج منه النصف الأعلى لشخص ملتح يكلل التاج هامته، ويعتقد أن هذا الرسم مشتق من الرموز الدينية الآشورية، كما أن قرص الشمس كان أحد الآلهة الحورية
والميتانية، ناهيك عن تقديس وعبادة الشمس لدى جميع الأمم .

وبما أن آهورا مزدا خالق الكون بما فيها الشمس والنار، فهو أكثر من الشمس، أي أنه النور السماوي الذي يبهر الأبصار وكذلك هو أكثر من النار، وقد جاء وصفه في خردة أفستا كما يلي:

 ((  أبدأ باسم وحمد الذي كان ويكون وسوف يكون

 دائماً الإله واهب الخير،الأحد في العالم الروحي، و اسمه آهورا مزدا ، الإله الكبير والعارف والعادل والمعلم والحامي والمنير والخيّر والواهب )) أي أن آهورا مزدا قديم أزلي، لا حد لقدمه وهو حاضر في الحاضر، وسيكون كذلك في المستقبل ولا نهاية لوجوده .

ويشغل آهورا مزدا المكان الأول في أناشيد الـ ( كاثاها ) التي كان زرادشت يرتلها بصوت مرتفع، ذاكراً فيها صفاته وقدراته، ليحث الناس على عبادته وترك عبادة بقية الآلهة، التي لا تضاهيه ولا وتمتلك قدراته الخارقة، ولا صفاته وهي ليست آلهة حقيقية بل مجرد أصنام، أو أشباه آلهة خلقها الكهنة والسحرة لخداع الناس.

فالإله الحقيقي لا يمكن أن يكون ظاهراً وبادياً للناس شبيهاً بهم، ولا يمكن الإحاطة به إلا بالعقل، فلا نراه، بل نرى بعض مظاهره وصفاته كالشمس والنار والماء، التي هي بعض صفاته، وليست كلها، هكذا نقل زرادشت البشرية من فكرة الإله المحلي المحسوس، إلى عبادة الإله المجرد الموجود في كل مكان وزمان.

ولآهورا مزدا مائة وأحد اسماً وصفة، منها:(( آهورا مزدا، هرمز، الأزلي، العليم، الرحيم، الطيب، القدوس، عالم الغيب، الحاضر في كل مكان، العامل على سعادة البشر، الخالق، النور، العقل الطيب، المبصر، الحق، السلطان، الواحد، المطهر، الحكيم، الخالد، المنظم، منظم السعادة، العادل، الفاضل، الأعلى، رب الأرباب، مسبب الأسباب، اللائق بالعبادة، النهاية، الروح الخيرة، المدبر العادل، المستقيم، الاستقامة ….).         

هكذا فآهورا مزدا، الإله الذي لا نراه بينما هو يرى جميع كائناته، عيناه كالشمس والقمر، يكتسي بقبة السماء الزرقاء، يشهد بوجوده الشمس والقمر، والنباتات والحيوانات كلها تدل على وجوده وعظمته. فآهورا مزدا الكلي القدرة، خالق الكون والكائنات والإنسان، هو أيضاً خالق الخير والشر، والنور الظلمة، وهو كإلهٍ خالق، لا يماثل "  ئيكر مينو _ أهريمان " والذي بإمكانه خلق الأفعال والأعمال الشريرة فقط.

 وبما أن آهورا مزدا هو خالق أهريمان، فإن الأخير لا يضاهيه في القوة ولا في القدرة، فالمخلوق لا يضاهي الخالق، وإن الصراع القائم بين قوى الخير وقوى الشر لا يقوده آهورا مزدا بنفسه، بل تقوم به الملائكة، التي هي صفات و تجليات لآهورا مزدا، الذي يعرف مصير الصراع وفترته مسبقاً.

وهكذا، فجوهر الزرادشتية ليس ثنائياً، بل هو التوحيد بأنقى مظاهره فهي لا تقر إلا بإله واحد، هو آهورا مزدا، الذي لا قياس لعظمته وقدرته وروحانيته، فيقول زرادشت عن إلهه:

((  أن نضحي بأنفسنا في سبيل آهورا مزدا، 

الذي هو نفسه أفضل حقيقة،

إننا نعرفه من أنفسنا،

إننا نظنه من أنفسنا. )) يسنا 35/5 .

ويعتمد آهورا مزدا في حكم العالم على مجموعة من الكائنات الإلهية " الملائكة _ الأمشاسبندان، أي الخالدون المقدسون " وهم ستة خلقها بنفسه، تقف في حضرته وتنفذ أوامره، وكل ملاك موكل بحماية عنصر من عناصر الطبيعة، وهذه الملائكة تحمل بعض صفات أو مظاهر آهورا مزدا، وهي على التوالي:

1 _ وهومنو" بهمن ": الفكر الطيب، والروح الخيرة، والعقل الخير، وروح الطبيعة الخيرة، خلقه آهورا مزدا ليدعم به عالم الخير، وهو مظهر من مظاهر التحول إلى الرحمة الإلهية، احتل أول الأمر مكان الصدارة بين الخالدين المقدسين، ثم تراجع إلى المركز الثاني .

وهو الذي يقوم بنقل الرسائل والوحي إلى الأنبياء، فقد قاد زرادشت إلى حضرة آهورا مزدا، وأنزل الأفستا عليه، ويطلق اسمه على اليوم الثاني من الشهر، أي يأتي بعد آهورا مزدا مباشرة، كما يطلق اسمه أيضاً على الشهر الحادي عشر، وقال زرادشت في نشيد من أناشيد الكاثاها:

(( يقول بهمن، إن الشخص الوحيد الذي عرفني هنا،

والشخص الوحيد الذي عرف ديني،

هو زرادشت سبيتمان يا مزدا،

حيث ينشد فكرنا وعقيدة دين الحق،

لذلك وهبته الكلام المحبوب.)) يسنا 29/ 8 .

2 _ آشا " أرديبهشت ": خير الحقائق، وروح الحق، الدين الصادق، الاستقامة، احتل هذا الملاك أول الأمر المرتبة الثانية من الملائكة، ثم تقدم على بهمن ليحتل المرتبة الأولى من الملائكة، وآشا مظهر الصدق والطهر والقدسية الإلهية في عالم الأرض، موكل بحراسة النار المقدسة، وقد ورد ذكره في الأفستا بـ (( الأكثر عطفاً، الحسن الخالد، واقع من النور )) يسنا 37/ 4 .

ومن اسم هذا الملاك اشتقت كلمة بهشت (( الفردوس، الجنة )) وأطلق اسمه على اليوم الثالث من أيام الشهر و على الشهر الثاني عند الزرادشتيين .

3 _ وهوخشترا (( شهريور )): التسلط المطلوب، روح القدرة الإلهية الكاملة، والسلطة والجبروت الرباني، وهو الملاك الموكل على المعادن، يطلق اسمه على اليوم الرابع من أيام الشهر، وعلى الشهر السادس.

4 _ سبنتا آرميتي (( سبندارمذ )): الخضوع، أي روح الخير والطاعة والتقوى والورع والمحبة، وهو الملاك الموكل على الأرض، ويطلق اسمه على اليوم الخامس من أيام الشهر، وعلى الشهر الثاني عشر.

5 _ هروتات (( خرداد، خرداذ )): روح الكمال والسعادة والصحة، وهو مظهر من مظاهر الكمال الإلهي، وهو الملاك الموكل بالمياه في عالم الأرض، ويطلق اسمه على اليوم السادس من أيام الشهر، وعلى الشهر الثالث.

6 _ أمرتات (( أمرداد )): الخلود، وهو روح ومظهر الخلود الإلهي والأبدية، وهو الملاك الموكل على نبات الأرض، ويطلق اسمه على اليوم السابع من أيام الشهر، وعلى الشهر الخامس، ويذكر دائماً مع الملاك هروتات، فهما يترافقان دائماً، وعلاقتهما متينة مثل علاقة المياه بالنبات.

أما المجموعة الثانية من الملائكة، والتي تلت الأمشاسبندان مرتبة فهي  (( يزتا _ ايزدا _ يازتا )) وعددهم كبير جداً، ولكل ملاك مهمة خاصة، منها الحق والعدل والنصر والفتح، والبعض منهم موكلون بالأيام، وقد أطلق اسم هؤلاء على الأيام الباقية من الشهر، أما المشهورون منهم فهم :

آ _ سروش : وهو أحد الملائكة الثلاث الذين يحاسبون الناس بعد الموت، وفي يوم القيامة، إذ يقف عند الميزان ويزن أعمال الناس بالعدل، يطلق اسمه على اليوم السابع عشر من أيام الشهر .

ب _ راشنو: مظهر العدالة والحق، يرافق سروش و ميثرا في محاسبة الناس يوم القيامة، يطلق اسمه على اليوم الثامن عشر من أيام الشهر .

ج _ ارشتات (( استاد )): ملاك الحق والعدل والقانون، يطلق اسمه على اليوم الخامس والعشرين.

د _ فرترغنه ((بهرام)): قاتل التنين، وهو ملاك الفتح والنصر، ويطلق اسمه على اليوم العشرين من أيام الشهر.

هـ _ آبا ((آبان، آبهان)): وهو الملاك الموكل بالحياة، ويطلق اسمه على اليوم العاشر، وعلى الشهر الثامن.

و _ آتر، آذر: وهو الملاك الموكل بالنار، ويطلق اسمه على اليوم التاسع من أيام الشهر، وعلى الشهر التاسع .

عدا هؤلاء هناك عدد آخر من الملائكة، لا يحدهم حصر ولا عد، وهم القائمون على حفظ المخلوقات الإلهية، ولا يختصون بالعناصر المادية فقط، بل لكل منهم عنصر من العناصر المعنوية والخصائص الأخلاقية، كالصدق والأمانة والوفاء والسلام والقدرة والشجاعة، وغير ذلك من الصفات الأخلاقية.

أما المجموعة الثالثة من الكائنات الروحية، فتسمى (( فرافاشي )) وتأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والقدرة، والفرافاشي هي أرواح المؤمنين العادلين وفي ذات الوقت نماذجهم السماوية، خلقت قبل وجود وخلق البشر من ذرات النور الإلهية، تتولى رعاية وحراسة المؤمنين على الأرض من الرجال والنساء والأطفال، ولكونهم أرواح المؤمنين فإنهم يصارعون تجسد الشر، ويرشدون المؤمنين إلى طريق الحق والصواب، وتتميز الفرافاشي عن روح الإنسان، بأنها لا تقدم حساباً عن أعمالها في يوم القيامة، لأنها أرواح طاهرة.

وقد صورت المصادر الدينية المتأخرة الفرافاشي كفرسان مسلحين يحمون السماء من قوى الشر، وتؤكد تلك المصادر الدينية أنه لولا المساعدة المقدمة من الفرافاشي، لكانت البشرية والحيوانات قد انقرضت، وكان العالم المادي عرضة للسقوط تحت سلطة الكذب، وبعد موت الإنسان، تعود أرواح الفرافاشي نموذج روح الإنسان المتوفى إلى مقرها العلوي .

هذه هي مجموعة الملائكة والكائنات الروحية، التي خلقها آهورا مزدا قبل خلق العالم المادي، واعتمد عليها في إدارة العالم، ولكن بعد وفاة زرادشت، أعاد رجال الدين، الذين لم يتجردوا كلياً من معتقداتهم السابقة، الاعتبار لبعض الآلهة، التي كانت تعبد قبل ظهور الزرادشتية، والتي منع زرادشت عبادتها، كالإله ميثرا (( مهر ))، والربة آناهيتا، وبعض النجوم، ورفعوا مكانة بعضها كثيراً حتى وصلت إلى مرتبة الملائكة، لا بل وضع ميثرا في العصور المتأخرة، إلى جانب آهورا مزدا، وبدا كمساعد له ضد أهريمان وقد سمي ميثرا، في عهد الدولة الساسانية، بملاك العقود والمواثيق والعهود، وهو في نفس الوقت أحياناً ((إله الحرب))، يطلب منه آهورا العون والمساعدة، ضد أهريمان، في الصراع القائم بين قوى الشر المتجسدة في أهريمان، وقوى الخير التي تقودها مجموعة من الملائكة، وسماه الفرس ( مهر )، واحتفلوا به في عيد المهرجان الذي يصادف / 25 / كانون الأول من كل عام، وقد ورد حمده في خرده فستا:

 (( نحمد الملاك مهر، صاحب السهول الفسيحة، ذو القول الصادق، المشهور، صاحب الألف أذن، الجميل البدن، صاحب الألف عين، العالي، المرتفع، البصير، القوي، اليقظ ونظير الساهر، نحمد مهر المحيط بكل البلاد، نحمد مهر الذي داخل البلاد، نحمد مهر الذي هو خارج البلاد، نحمد الملاك مهر وآهورا مزدا العظيم الخالد الطاهر )) ، هكذا رُفع قدر وشأن ميثرا إلى مرتبة آهورا مزدا، وأضفيت عليه صفة الخلود، علماً أن زرادشت لم يذكره في أناشيده أبداً، ولكن رجال الدين ادخلوا عبادته في صلب الديانة الزرادشتية، ربما ليس بقصد الإساءة للزرادشتية، بقدر ما اعتقدوا أن ذلك يخدم ويرفع من مكانة دينهم. وكما ارتفعت مكانة ميثرا، كذلك ارتفعت مكانة آناهيتا، ربة الأرض والخصوبة، والتي كانت في الأصل من آلهة بلاد الرافدين، وانتقلت عبادتها إلى هضبة إيران، قبل ظهور الزرادشتية، وكان شانها كشأن ميثرا، إذ حارب زرادشت عبادتها، وقد قل شأنها وأهميتها في بداية انتشار الزرادشتية، ثم ارتفعت مكانتها ثانية، وبشكل متميز، خلال الفترة البرثية، إنما ليس كإله ولكن كملاك، فأصبحت ملاك الخصب والمياه وحامية الزرادشتيين، وقد ورد اسمها في النصوص الزرادشتية المتأخرة ( اردوسيو آناهيتا _ ومعنى اسمها الذي ليس فيها أي عيب _ ) وصورت وهي تحمل بيدها أعنة الريح والسحاب والمطر والندى، وقيل أن لها ألف حوض ماء، وألف قناة تخصب بها الأرض. وكانت بمثابة رمز للأم، إذ كانت تعني الطهارة والعفة والتقوى، وبالإضافة إلى عملها كراعية لخصوبة الأرض، وتدفق المياه، فإنها كانت تطهر نطف الرجال، ومشيمات النساء من أجل الولادة وتيسير وضع الحوامل .

كما تم تمجيد بعض الكائنات التي خصها آهورا مزدا برعايته الخاصة، كـ(( هوما )) الثور الذهبي المقدس، الذي خلقه آهورا مزدا مع الإنسان، فقد ورد عنه في اليسنا ما يلي: (( نمجد الهاوما الذي سيهرب منه الموت )) يسنا 42/5. وبالإضافة إلى تلك الصفات والمظاهر الإلهية _ الملائكة_ قدس الزرادشتيون بعض النجوم والكواكب، مثل ( تشترة _ الشعرى اليماني ) هذا النجم المتألق، الذي كلفه آهورا مزدا بقهر الشيطان الذي احتجز المياه، وهدد بدمار الأرض، لأن البشر تجاهلوه في شعائرهم، وقد تمكن تشترة من قهره، وخرج من المعركة منتصراً ليضمن خصوبة الأرض.


 

رجـال الـدين

(( آثروان – المغان ))

 

 لعب رجال الدين ( الكهنة _ الكهان ) دوراً كبيراً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في العصور القديمة، بالإضافة إلى الدور الرئيسي في الحياة الدينية، فمع تعدد وتنوع الطقوس الدينية، ظهرت الحاجة لوجود فئة ( طبقة ) خاصة للإشراف على المراسيم الدينية، من قرابين وأضحية وابتهالات، وخدمة المعابد، وممارسة السحر والتنجيم، والعرافة، والطب، والكتابة، والقضاء، ولذلك اعتبروا كوسطاء بين الآلهة والبشر، ومن هنا شكلوا طبقة متميزة لا يستهان بها، لها قدسيتها لدى العامة، ومكانتها الخاصة لدى الملوك والحكام، الذين كانوا يسعون لنيل رضاها، وموافقتها لإضفاء الشرعية على حكمهم وأعمالهم.

ولم تقل مكانة رجال الدين في إيران عن بقية أنحاء العالم، فكانت لهم مكانتهم المقدسة، وشكلوا طبقة خاصة احتلت المرتبة الأولى في التقسيم الاجتماعي، الذي كان سائداً لدى الشعوب الهندو _ أوروبية، ولم تختلف مهام رجال الدين الآريين عن بقية كهنة العالم بالإشراف على الطقوس الدينية وممارسة القضاء والطب والسحر والتنجيم والكهانة .. .إلخ

 وقد انحدر معظم كبار الكهنة ورجال الدين في العصر الميدي، من قبيلة الماكيين Magin الميدية، والتي كانت لها مكانة خاصة بين الميديين، إذ كان لهم  _ أفراد قبيلة الماكيين _ امتياز الرياسة الروحية في المعتقدات  والديانات التي سبقت الزرادشتية، واعتبروا أنفسهم فئة " جبلت على خدمة الآلهة " .

وقد أُطلق على رجال الدين قبل ظهور زرادشت لقب
(( آثروان، آتروان، آكرفان )) أي خدمة النار أو حراسها، و أبقت الأفستا على نفس اللقب، ولكنهم عرفوا في العهدين البرثي والساساني باسم المغان، نسبة إلى قبيلة Magin  الميدية، والتي انحدر منها معظم كبار رجال الدين، وكانت تكتب مكَوان  Meg wan، أو مكَوكَان Mego gan، وسماهم اليهود في التوراة مكوسيا، بينما ورد اسمهم في القرآن المجوس،  كما عرفت الديانة الزرادشتية عند المسلمين بالمجوسية .

ومع أن زرادشت وضع حداً لسلطة ونفوذ رجال الدين، من خلال دعوته لعبادة آهورا مزدا مباشرة، دون وسيط أو وصي، إلا أن بوادر تشكل طبقة دينية خاصة ظهرت في عهده، (( فيدفا V,deva العارفين، والفقراء درغو Derg/  )) أصحاب زرادشت ومساعديه في نشر الدين الجديد، وبعد وفاة زرادشت، وبفترة ليست بطويلة، عاد المغان وسيطروا على المراتب العليا، بعد أن أصبحوا القادة الروحيين للدين الجديد، فبدءاً من عهد الملك الأخميني دارا الأول" داريوس " 522-486 ق.م، ازداد دورهم في الدولة، فسيطروا على القضاء، ومراقبة أعمال الحكام ومدى التزامهم بتطبيق مبادئ الدين في الأعمال والمهمات التي يقومون بها.

وفي العهدين البرثي والساساني ازداد دورهم أكثر فأصبح لهم دوراً في تعيين الملوك، وأحياناً في عزلهم، ومن هنا سعى الملوك لنيل رضى رؤساء رجال الدين الزرادشتي، لضمان استمرارهم في السلطة، وكذلك لضمان طاعة عامة الناس.

   أما أهم الأعمال التي مارسها رجال الدين فهي الإشراف على المعابد وبيوت النار، بحراسة النيران المقدسة ومنعها من أن تنطفئ، والإشراف على نقل النار المقدسة إلى البيوت الجديدة ( وفق مراسيم خاصة )، أو إلى البيوت التي انطفأت نارها، والإفتاء في المسائل الروحية والدنيوية والعلمية، وإجراء أحكام الطهارة والاعتراف والعفو والغفران، بالإضافة إلى إقامة مراسيم الزواج، والولادة، والأعياد، ووضع الحزام المقدس (( كشتي ))، وقراءة وترتيل الابتهالات في بيوت النار، وإقامة الصلوات، والإشراف على مراسيم إعداد الموتى ونقل جثثهم إلى الدكمات (( أبراج الصمت )) .

    هذا في الجانب الروحي، أما المهمة الثانية التي كُلف بها رجال الدين، وأشرفوا عليها مباشرة، فهي مهمة القضاء، فكان معظم القضاة من رجال الدين، الذين يقومون بالفصل في القضايا والمنازعات، استناداً إلى الأفستا والزند أفستا، كمصدرين رئيسيين للتشريع، كما أشرفوا على سير العدالة في سلوك السلطات المدنية العليا في الأقاليم،  وكانوا مرجعاً للضعفاء والمظلومين الذين لا سند لهم، حتى أنه كان من حق الموبدان موبد أن يقوم باستجواب الملك نفسه في عيد نوروز، إذا ما رفع أحدهم دعوى ضد الملك.

     أما المهمة الثالثة لرجال الدين، الذين تخصصوا في جميع فروع علوم زمانهم،فكانت الإشراف على التعليم /الأساسي والعالي / للرعية، حيث قاموا بالتعليم في المعابد أو في دور خاصة، أما رجال الدين فكانوا يتلقون تعليمهم في المعابد أولاً ثم ينتقلون إلى مدينة شيز لاستكمال تعليمهم فيها، إذ كان معبد المدينة بمثابة الجامعة لتخريج كبار رجال الدين .

   وإذا عرفنا أن الفرد العادي معرض، ليلاً نهاراً، لأن يقع في الإثم والنجاسة، لأقل غفلة تبدو منه، وحاجته لرجال الدين من أجل التطهير والتوبة، لعرفنا أن وظيفة رجال الدين لم تكن قط وظيفة تشريف أو مهمة سهلة، إذ كان الدين يتدخل في كثير من أمور الحياة اليومية التي تحتاج إلى رجل دين لإنجازها.

    ونظراً لأهمية هذه الأعمال التي كانوا يقومون بها، سواء في الحياة اليومية الاعتيادية لعامة الناس، أو في الجانب الرسمي للدولة، فقد شكل المغان طبقة متميزة، لها مكانتها الخاصة، فكانوا تقريباً دولة داخل دولة، مستندين إلى سلطانهم الروحي والقضائي، ومواردهم المالية الهائلة من عقاراتهم، وعقارات بيوت النار، الواسعة والمعفاة من الضرائب، ومن التبرعات والهبات التي يتلقونها لقاء أعمالهم، فمثلاً في إقليم ميديا " إقليم المغان " كانت أراضي رجال الدين الخصبة وقراهم غير مسورة كبقية القرى، وكان رجال الدين يعيشون فيها وفقاً لتقاليدهم الخاصة، وكانوا محميين بصفتهم الدينية، نظراً لقدسيتهم ومكانتهم الرفيعة في المجتمع، فكان اللصوص وقطاع الطرق يتجنبون التعرض لهم.

   وقد تم تقسيم الدولة كلها إلى مراكز دينية بشكل هرمي، وكون رجال الدين جماعة مرتبة غاية الترتيب، لها درجات منسقة تتكون من:

1_ الموبدان (( مغوبد )): بمعنى الحكيم والرئيس، وكانت تلفظ موبد "مكَوبت ها " جمعها العرب "الموبدون "، والفرس "موبدان " وعلى رأسهم الموبدان موبد الرئيس الأعلى لجميع رجال الدين " وهو يماثل البابا في المسيحية " له السلطة العليا في الأمور الدينية، وإليه يرجع الأمر في الفصل في المسائل الدينية،  وكان مستشاراً للملك في الأمور التي تمس الدين، كما كان يرافق الملك في الحملات الحربية والعسكرية، وهو الذي يعين أو يعزل أو ينقل كبار رجال الدين والقضاة، إذ كان أيضاً بمثابة قاضي القضاة، أو وزير العدل، كما كان يشترك في هيئات المحاكم التفتيشية، وخاصة في الأقاليم التي يشتد فيها العداء للدين، وكان يشرف على استجواب ومحاكمة المرتدين، أما أهم أعماله، فكان تتويج الملوك، إذ كان من حقه وحده تتويج الملك، فهو الذي كان يمثل الإله آهورا مزدا، كما كان له القول الفصل في تعيين الملك وخاصة إذا كثر عدد المطالبين بالعرش.

      أما الموبدون وهم المتخصصون في المسائل الدينية فكانوا يشرفون على بيوت النار، وكان الموبد (( مغوبد )) هو رئيس المعبد والرئيس الديني الأعلى في منطقة عمله، يشرف على جميع الأمور الدينية في محيط منطقته، ويراقب القضاء وسير العدالة المدنية الموكلة بالحكام المدنيين للإقليم أو المنطقة، ويشرف على إقامة الصلوات والاحتفالات في أوقاتها، ورعاية النار المقدسة في بيوت النار، بإبقائها ملتهبة باستمرار، وكان يساعده في ذلك مجموعة من الهرابذة، الذين كانوا مساعدين له في مهامه.

   وكانت تقام احتفالات خاصة، إذا ما رقي أحدهم إلى مرتبة موبد، تسمى نو زدي "دار طلب الموبد"، تجرى بمناسبة قبوله في مرتبة الموبدان (الموبدون بالعربية)، ويطلق على الموبد الجديد اسم
" نو زود " الموبد الجديد، وقد شكل الموبدان الطبقة العليا بين رجال الدين، ونافسوا النبلاء وكبار قادة الجيش على السلطة أثناء ضعف الملوك .

2_ الهرابذة: مفردها هربذ أو هربد (( حافظ النار )) وفي الأفستا " آثراباتي " وهم سدنة بيوت النار، ويطلق على رئيسهم لقب هربذان هربذ، وهم يلون الموابدة في الترتيب، وكانوا يشرفون على الأمور الدينية في بيوت النار، وتتطلب مهمتهم معارف واسعة، والاطلاع على الأمور الدينية والأحكام القانونية، بالإضافة إلى تجربة كبيرة في إدارة بيوت النار، وشرح أمور الدين لروادها.

   وقد خصص لكل هربذ وظيفة خاصة يقوم بها، أثناء المراسيم والاحتفالات، حيث تتلى الأدعية والابتهالات، وكان يطلق على رئيس المراسيم لقب " زائوتر"، وهو هربذان هربذ – في حال عدم وجود موبد في المعبد - الذي كان يقف في وسط المعبد أمام النار للإشراف على المراسيم الدينية الخاصة، ويساعده مجموعة من الهرابذة، يطلق على كل منهم لقب يرتبط بمهمته التي يقوم بها:

آ_ الهاونان: يسحق جذور الهوما " الشراب المقدس " في الهاون ويخلطها بالماء القوي .

ب_ آثرو خش: عليه أن يعتني بالنار، ويرتل الدعاء مع الزائوتر .

ج_  فرابرآتر: "فره بره تار " يحمل الأعواد ثم يضعها فوق النار .

د_ آبرت أباباك: يقوم بتحضير وجلب المياه .

هـ _آسنة تار: ينقي الهوما ويقوم بالاعتناء بالآلات قبل تلاوة اليسنا

و _ ريتوشكر " براسفي ": يخلط الهوما مع اللبن، ويقوم بتحضير الماء القوي، وتوزيع الشراب على المؤمنين.

 ز _ سرو شاورز: يهتم بأمور تنظيف المعبد ويراقب العمل، وله وظائف أخرى عليه القيام بها خارج المعبد، إذ عليه مراقبة المواظبة على النظام الديني. 

    وخلال العمل، كان الهرابذة يتلون الأوراد التي لا تنقطع، بصوتٍ مرتفع، ولحنٍ جميل حيناً، وبصوتٍ منخفض، إلى حد التمتمة حيناً آخر، وهم يرددون الأدعية والصلوات، مع الموسيقى أحياناً " غالباً الطنبور والدف"، فيضفي ذلك على المعبد منظراً مهيباً، يبعث المؤمنين على الخشوع والاستغراق، من خلال تأثير قاعات المعبد المظلمة، ومنظر النيران الملتهبة، والآلات المعدنية (ظروف وأهوان، مساند الحطب….) بالإضافة إلى تمتمات الهرابذة.

3- دستوران: " المراقبون " ومفردها دستور، وهو القاضي والخبير في المسائل الدينية، و" دستور " هو رجل الدين المشرع، الذي يلجأ إليه الناس لحسم القضايا المشتبه بها، أما نائبه فيسمى دستور همداد.

4- المغان: ومفردها " مُغْ mug" ويشكلون الطبقات الدنيا من رجال الدين، الذين يقومون بمختلف الطقوس الدينية من الإشراف على المراسم الدينية وخدمة بيوت النار، والإشراف على حالات الزواج والولادات، ودفن الموتى، وحث الناس على القيام بأعمال البر والخير، والمواظبة على أداء الشعائر الدينية، وقد شكلوا القاعدة الواسعة لرجال الدين، حتى أن اسمهم أُطلق على جميع رجال الدين في العهدين البرثي والساساني، ويحق لهم التدرج في المناصب الدينية، ويسمى رئيسهم (( مغان مغ )).. وهناك مناصب دينية أخرى .

5- همك دين: أي العارف بالدين، ويطلق على المتبحر في أمور الدين، ويكون مقرباً من الموبدان موبد، الذي يحتاج إليه أثناء جلسات المناظرة بين رجال الدين الزرادشتي، وأتباع الأديان الأخرى، إذ كان " همك دين" وعددهم قليل جداً يعتبرون بمثابة المراجع الدينية، وكانوا يقيمون على الأغلب في العاصمة، ليكونوا على مقربة من الموبدان موبد والملك، الذي قد يحتاج إلى مشورتهم.

6_ اندرزبَد أو مكَوكَان أندرزبِد: وهو مؤدب رجال الدين، سماه العرب مؤدب المجوس، وكان يشرف على تعليم رجال الدين .

7 - وربد: أستاذ العمل، وكذلك يقوم بتعليم رجال الدين .

 

 

 


 

التقسيم الاجتماعي

(( بيشواران ))

 

    كان التقسيم الاجتماعي سمة من سمات الشعوب القديمة، إذ تم تقسيم المجتمع إلى طبقات اجتماعية لكل منها مكانتها، وتتسلسل هذه الطبقات من الأعلى إلى الأسفل على شكل هرمي حسب أهميتها ونفوذها في المجتمع، فقد انقسم المجتمع في بلاد الرافدين مثلاً، أول الآمر، إلى طبقتين هما الأحرار والعبيد، ثم إلى ثلاثة طبقات في عهد حمورابي: الأحرار، الفقراء " الموشكينو" أو الطبقة العامة، ثم العبيد، بينما انقسم المجتمع الآري بشكل عام إلى ثلاث طبقات هي: طبقة رجال الدين، والمحاربون، والزراع، ومن ثم إلى أربع طبقات بإضافة طبقة رابعة إليها هي طبقة العبيد.

    وقد حافظت الشعوب الآرية التي هاجرت إلى هضبة إيران على التقسيم الاجتماعي، فقسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية: طبقة رجال الدين،والمحاربون، والعامة، ومن ثم تم تقسيم الطبقة العامة إلى طبقتين:المزارعون والحرفيون. وقد ذكر زرادشت الطبقات الثلاث في أناشيده، وأطلق عليها لقب بيشترا،وعرفت بالفهلوية تحت اسم بيشاك. كما كان التقسيم الاجتماعي سمة رئيسية من سمات الدولة الميدية، وكذلك دول الفرس الثلاث " الأخمينية والبرثية والساسانية "،

إذ عد ذلك أساس الحكم. أما أسماء ومهام الطبقات فهي:

1ً_ الطبقة الأولى: " بيشوايان " طبقة رجال الدين:

الزعماء أو آثروان ومن ثم المغان، ويقصدون بها رجال وزعماء الدين والعلماء، وقد وردت في الأفستا بأسماء أخرى، فوردت تحت اسم آسهرون أو آثرون " اتهورون " وقد عرفوا في عهد زرادشت بآثروان وهو اللقب الذي أطلق على رجال الدين قبل ظهور الزرادشتية، واتخذه زرادشت أيضاً، بينما عرف أفراد هذه الطبقة، في العهدين البرثي والساساني، بالمغان.

وقد عدت الزرادشتية هذه الطبقة من أسمى طبقات المجتمع، نظراً للمهام التي تقوم بها في مجال محاربة قوى الشر، وإعداد المؤمنين وجمعهم في صف الحياة والخير ضد الموت وقوى الظلام، وأضفت القداسة على أفراد هذه الطبقة، وحرمت التعرض لهم أو مهاجمتهم، كما أُعفيت أملاكهم من الضرائب والمكوس، ومن الهدايا التي كانت تقدم للملوك أو الولاة، في أعياد النوروز والمهرجان، والمناسبات الأخرى، وقد تم تنظيم أفراد هذه الطبقة في مراتب منظمة دقيقة، وتقابل هذه الطبقة في الهند طبقة البراهمن   " الزعماء الروحيون ".

2ً_ الطبقة الثانية" أرتشتاران " طبقة المحاربين:

 أو رزميان وفي الأفستا "رتهئيشتر"، أو( رتهوئشتا )، وفي الفهلوية أرتشتار وتعني المحارب أو الفارس، وقد انحدر أفراد هذه الطبقة من الأسرة الحاكمة أو الأسر الكبيرة، وسيطروا على المناصب العليا في الدولة والجيش، وهي طبقة الفرسان والمحاربين والمقاتلين، ويقابلها في الهند طبقة خشتريا ( المحاربين ).

 3ً_ الطبقة الثالثة " كشاورزان " طبقة الزراع:

 أو المزارعين، وستريوشان، ووردت في الأفستا أيضاً تحت اسم  " واستريا " وفي الفهلوية " واستريوش "، وقد عمل أفراد هذه الطبقة في الزراعة وتربية المواشي وسائر الحرف الأخرى، وقد اعتبرت الزرادشتية عملهم مقدساً نظراً لما يقدمونه للمجتمع من خدمات ومواد، تساهم في تقوية صفوف قوى الخير ضد قوى الشر، ويقابلها في الهند " ويسيا " أي المزارعون .

4ً_ الطبقة الرابعة دستورزان أو هوتخشان طبقة الحرفيين:   وكانت جزءاً من الطبقة الثالثة، ثم تم تقسيمها، فأصبح للصناع والحرفيين طبقة خاصة، وقد سكنوا المدن، وقاموا بجميع المهن والحرف والصناعات اليدوية.

5ً_ و نشأت في العهد الساساني طبقة جديدة هي طبقة الكتاب       " دبيران "، انحدر معظم أفراد هذه الطبقة من طبقة المحاربين، وهم كتاب الرسائل والمحاسبات والسجلات وغيرها من الأعمال الكتابية، ويدخل فيهم الأطباء والشعراء والمنجمون، واحتلت هذه الطبقة المرتبة الثالثة في المجتمع في العهد الساساني، حيث أعيد جمع طبقة المزارعين والصناع في طبقة واحدة عرفت باسم طبقة الشعب أو الطبقة العامة.

    ولكل طبقة رئيس يشرف على شؤون طبقته، ويعتبر مسؤولاً عن إدارتها، وهو في نفس الوقت مستشار للملك في شؤون طبقته، وتساعده مجموعة من المساعدين من نفس الطبقة لإدارة شؤونها، ومعرفة أوضاع أفراد الطبقة ومواردهم، إلى جانب المعلمين الذين يلقنون أفراد الطبقة منذ الطفولة حرفةً أو عملاً أو علماً يؤهلهم لمواجهة المستقبل.

 فطبقة رجال الدين يسمى رئيسها موبدان موبد، وتألفت على شكل هرمي من الموابدة والهرابذة والقضاة والمغان والمعلمين، وتكونت طبقة المحاربين التي يرأسها قائد جيش إيران سباهبد، من الفرسان " اسواران " والمشاة " بايكان " ومن الرماة " يتربد "، ولكل قسم قائد ورتب ومهام خاصة، ويرأس طبقة الكتاب " إيران – دبيربد- أو – دبيهران مهيست " وقسمت هذه الطبقة إلى مجموعة من الأقسام، كل قسم خاص بكتابة شأن خاص من شؤون الدولة، ويرأس الطبقة الرابعة طبقة الشعب " واستر يوشان سالار " التي تكونت من الزراع والرعاة والتجار وأهل الحرف .

    ولم تكن هذه الطبقات مغلقة، فكان باستطاعة الرجل الانتقال إلى طبقة أعلى، فيستطيع الرجل من أهل الطبقة الرابعة مثلاً، الانتقال إلى طبقة أعلى، فإذا امتاز بالخلق الطيب والتقوى " طابع رجال الدين "، انتقل إلى الطبقة الأولى، وانخرط في صفوف رجال الدين، أما إذا امتاز بالقوة والشجاعة " طابع رجال الحرب " فينتقل إلى صفوف المحاربين "، وإذا امتاز بالجدارة والذكاء والذاكرة، وهي الصفات التي تتطلب في المستخدمين في طبقة الكتاب، انتقل إلى طبقة الكتاب.

   و لكل طبقة من الطبقات الثلاث الأولى نارها الخاصة، التي قيل أنها أنزلت من السماء من أجل رعاية شؤون هذه الطبقة، ووضعت في بيت النار الخاص بكل طبقة، كي يرتادها أهل هذه الطبقة، وهي:

1_ بيت النار " آذر كشنسب ": في مدينة شيز بأذربيجان، وهي النار الملكية، وهي النار الخاصة بطبقـة المحـاربين.

2_ بيت النار " آذر فروبغ ": في كاريان بفارس القديمة، وهي النار الخاصة بالزعماء، أي رجال الديـن .

 3_ بيت النار " آذر برزين مهر": في جبل ريونت في خراسان، وهي النار الخاصة بالزراع والحرفيين  والتجار .

 

 

 

 


 

المـوت

والعقاب والثواب

 

    شغلت فكرة الحياة والموت، والعقاب والثواب، ذهن الإنسان منذ بدء الخليقة، إذ اعتقد أن الموت هو شكل من أشكال غضب أو لعنة الآلهة، " خاصة إله الموت "، تحل على المرء الذي يتقاعس عن تقديم الطاعة لها من خلال الأضاحي والقرابين، وقد تحل لعنة أو غضب الإله على أولاد أو حيوانات أو محاصيل الشخص العاق، لذا كانت الشعوب القديمة تتسابق في تقديم القرابين والأضاحي للآلهة، لنيل رضاها أو لاتقاء غضبها أو شرها.

   وكان الاعتقاد السائد في الشرق، بلاد الرافدين، بلاد الشام، إيران، والهند، أن الإنسان يحاسب على أعماله في هذه الدنيا، فالشخص الذي ترضى عنه الآلهة، تمنحه العمر الطويل والعافية وعدداً كبيراً من الأولاد والسعادة والغنى والمكانة السامية بين أقرانه، أما الذي تغضب عليه، فتسلط عليه الأمراض والعاهات والعقم والمصائب المتلاحقة، دون أن تكون هناك أية فكرة عن حياة ثانية يعيشها الإنسان مرة أخرى بشكل أو بآخر، فالإله سيجزي أو يعاقب المرء عن أعماله في حياته، لذا كان الجميع، من مختلف الطبقات، يتسابقون إلى تقديم القرابين والأضاحي والابتهالات للآلهة من أجل نيل رضاها، والفوز بالصحة والعافية والسعادة، والانتصار على الأعداء.

    وكان زرادشت أول من أشار إلى فكرة وجود حياة ثانية بعد الموت " في منطقة آسيا "، إذ أشار إلى أن الإله آهورا مزدا، وإن كان يجزي الإنسان الصالح على أعماله في هذه الدنيا، إلا أن العقاب والثواب الحقيقي عن أعمال الإنسان تكون بعد الموت، فيحاكم في محكمة الرب ويجزى وفق أعماله التي قام بها في هذه الدنيا.

فالإنسان، حسب العقيدة الزرادشتية، ينال عقابه أو ثوابه عن أعماله التي قام بها في حياته، ويكون الثواب والعقاب النهائي بعد الموت، فإذا وقف إلى جانب القوى الخيرة وناصرها ضد قوى الشر، وكان تقياً صالحاً، عاملاً صادقاً، تذهب روحه إلى جنة الفردوس، حيث السعادة الأبدية، أما إذا كان عكس ذلك، فستتعذب روحه في غياهب الجحيم، حيث المعادن المنصهرة التي تعذب روحه حتى يوم القيامة، حين يتم بعث جميع البشر من جديد.

   وإن كان الإنسان مخيراً في أعماله في هذه الدنيا " الحياة
الأولى "، فهذا لا يعني أنه يترك كما هو، فهو مراقب من قبل آهورا مزدا، الذي يكلف الملاك "كوشوران " بتسجيل جميع أعماله، التي يقوم بها مهما صغر أو قل شأنها من الخير أو الشر، فلكل إنسان ملاك حارس خاص به" كوشوران " يراقب أعماله ويسجلها في سجله ليقدمها بعد ذلك للمحكمة الإلهية، التي يشرف عليها ثلاثة ملائكة هم ( ميثرا، سروش، راشنو )، واستناداً إلى سجل الإنسان يحاسب، بميزان العدل، فإن غلبت أعماله الطيبة على أعماله غير الطيبة، ذهب إلى الفردوس، و إلا فإلى الجحيم.

    وعندما يموت المرء، تترك جثته بين أهله وذويه لمدة ثلاثة أيام، حيث تبقى الروح خلال هذه الأيام الثلاثة تحلق فوق الجسد، لذلك تقام الشعائر الدينية الخاصة بالموتى، في هذه الأيام، إيناساً لروح الميت، ومن أجل طلب السماح والمغفرة له، وفي فترة العزاء هذه يبكي أهل الميت وذروه، إنما بصوتٍ هادئ، خلال هذه الأيام، ويندبون حظه ويطلبون له العفو والمغفرة، ويبتهلون إلى آهورا مزدا من أجل أن يرحمه، و يمرره بسلام فوق جسر القيامة، وفي اليوم الرابع، وبعد ابتهالات عديدة، يتم غسل الميت من قبل طائفة دينية متخصصة بغسل الموتى، وبعد الانتهاء من الغسل، يوضع على نقالة من حديد، ويتم نقله في موكب مهيب إلى أبراج الصمت "الدخما "، ويسير خلف النعش جمع غفير من ذويه ومعارفه، ولا يسير في الركب الرجل الذي مسه رجس أو غير الطاهر، وكذلك المرأة النفيسة أوالمحيضة، وعند الوصول إلى البرج، يقرأ عليه الناسك ترانيم وابتهالات خاصة بالموتى، تسمى " كمتا مزدا ":

(( مزدا من يستطيع أن يحمي شخصاً ضعيفاً مثلي حينما يستعد الكافرون للاعتداء علي ؟‍‍‍! ‍أي كائن غيرك بما لك من عقل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍وقوة نارية، يقوي نشاطه على تنفيذ مبدأ التقوى والاستقامة ؟! مزدا اكشف لي أسرار هذه المعرفة كي تساعدني، من غيرك يستطيع لطم الأعداء، ويمدني بكلماتك المقدسة التي هي درعي والمجن الذي يحميني. دلني يا مزدا على قائد مخلص حكيم متلطف يقودني إليك، ثم اجعل زعيم ملائكتك المزود بالروح الخيرة المستنير يدنو ممن تحب، كائناً من كان، تفضل فاحمنا من أعدائنا أيها المقدس، هلاكاً للكذب الشيطاني، وهلاكاً لجميع الشياطين، وهلاكاً لجميع أتباع الشياطين، الهلاك التام لك أيها الكذب، اخسأ واذهب بعيداً عني إلى الشمال، حتى لا تعبث بخلق مزدا، المبدأ المقدس )) .

   وبعد الانتهاء من تلاوة كمتا مزدا، يتم إلقاء الجثة على الدكما لتلتهمها الطيور الجارحة والكلاب والوحوش الكاسرة، إذ لا يجوز دفن الجثة في التراب أو إلقائها في الماء أو النار لأنها عناصر مقدسة، وهي صفات من صفات آهورا مزدا، بينما الجثة نجسة، فحسب العقيدة الزرادشتية يكون الجسد طاهراً مقدساً طالما كان حياً محتوياً للروح، إذ أن الإنسان خلق طيباً موهوباً بجسد وروح خالدة، تماماً كجيومرد الإنسان الأول، وهذا الجسد الذي هو أداة أو لباس للروح، قد صنع طاهراً من ذات مادة الروح، وكان في الأصل وضاءاً ومعطراً، ولكن امتزاج الشر فيه أثناء الصراع بين قوى الخير والشر، والشبق، جعلاه نتناً. وفي الحياة الثانية سيرجع الجسد كما هو، وبعد موت الإنسان تخرج الروح من الجسد، عندها يتحول الجسد إلى مادة نجسة غير طاهرة، لا يجوز لمسها إلا بطقوس خاصة، لأنه يلتف بالأرواح الشريرة التي انتصرت في معركتها هذه على الحياة، فلا يجوز دفن الجثة في التراب مباشرةً ( لأن التراب عدو الموت ) لذا أعدت أبراج خاصة للموتى كانت تقام على الجبال خارج القرى والمدن بشكل مدرج، القسم السفلي لجثث الأطفال، والأوسط لجثث النساء، والقسم العلوي لجثث الرجال، وتبقى الجثث على تلك الأبراج أو الصخور العالية، والتي تسمى برج الموت أو الصمت وبلغة الأفستا " دكما " حتى هطول الأمطار، التي تطهر الجثث من الأرواح الشريرة، فيتم جمعها في الساحة العامة خارج القرية أو المدينة، حتى تجف تماماً ثم تطلى بالشمع، وتدفن في الطبقات العميقة من الأرض، ثم تسوى الأرض لتزرع بعد ذلك.

 أما روح الميت، فتذهب في اليوم الرابع بعد الموت إلى المحكمة الإلهية " آكا دادكه " حيث يقوم ميثرا وسروش وراشنو، الملائكة المسؤولة عن محاسبة ومحاكمة الإنسان عن أعماله، تقوم هذه الملائكة بوزن أعماله، التي قام بها في الحياة الدنيا بملء اختياره، بميزان القسطاس العادل، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وبعد أن تقوم الملائكة بعملها وتصدر حكمها العادل، تغادر الروح المحكمة، وتسير على الطريق الذي صنعه ( ذورفان – ملاك الزمان ) تقودها " داينا " الروح أو الذات الخاصة بالإنسان، مع كلابها، حتى تصل بها إلى جسر المفصل، جينفات، بمعنى " جسر الامتحان، المختبر، المقرر، العارف مجددا"، والذي يربط بين السماء والأرض، فإذا كانت الروح خيرة، أي حائزة للصفات الثلاث "القول الصالح، النية الصالحة، العمل الصالح" تجتاز الجسر بسرعة فائقة، حيث ينبسط الجسر ويتسع، ويسمح للروح بالمرور عليه بسهولة ويسر، فتجتازه بلمح البصر، وتستقبل الروح في نهاية الجسر، حورية في الخامسة عشر من عمرها، وهي صبية متيقظة رائعة الحسن ذات ذراعين بيض، أنيقة المظهر، رشيقة، ناهدة الصدر، تستقبل الروح مرحبةً قائلةً:

(( محبوبة كما كنت، لقد جعلتني محبوبة أكثر، فبأفكارك الحسنى، وبكلماتك الحسنة، وبأفعالك الحسنى، وبدينك الجيد، جميلة، أعدتني أيضاً أكثر جمالاً، مرغوبة أيضاً أكثر )). "ها دوخن ناسك14". وتجتاز الروح بعد ذلك الأفلاك السماوية الإثنتي عشرة بأربع خطوات حيث تصل إلى (ئينوه -هيشنت – بهشت) الفردوس
" الأنوار التي لا بداية لها ".

    أما روح الشرير الكافر، فبعد المحاكمة تهب عليها الرياح والأعاصير الشديدة، وعندما تصل إلى جسر جينفات، تتلقاها فتاة قبيحة الشكل، تخبر الروح عن الأقوال السيئة والأعمال غير الصالحة التي قامت بها في الحياة وتقودها إلى الجسر الذي يصبح رفيعاً كالشعرة، وحاداً كالسيف فترتجف من الفزع والخوف، ولا تستطيع أن تجتاز الجسر، بما تحمل من ذنوب، فتهوي الروح في غياهب الجحيم (دوزن كهه، أو دوزنهه أي المكان السيئ). Dujan gha ،  ويتناسب عمقه مع ما اقترفت كل روح من ذنوب.

    أما الأرواح التي تتساوى أعمالها الطيبة والرديئة وزناً ومقدارً، فتبقى في مكان خاص بين الجنة والجحيم يسمى" هميشتيكان "، حيث لا عقاب ولا ثواب، حتى يوم القيامة، وبعد ذلك تتم إعادة محاكمتها والحكم عليها نهائياً،- هذا المكان يقابل الأعراف في الإسلام - .

وكان الزرادشتيون يعتقدون أن أرواح موتاهم تزورهم في الكهانبار السادس، عيد " همس بثما ئديه " والذي كانوا يحتفلون به في آخر السنة، لمدة خمسة أيام متتالية، تسمى الأيام المسترقة، وكانت هذه الأيام في الأصل عيدا للموتى، فكان الناس يضعون الأطعمة على الدكمات ليأكلها الموتى، أما الأشربة فكانوا يضعونها على سطوح المنازل والبيوت، لأنهم كانوا يعتقدون أن أرواح موتاهم تترك في هذه الأيام مواضع ثوابها أو عقابها وتأتي إلى أماكنها القديمة، فتشرب وتأكل من الأطعمة التي أعدها ذووها، وكان أهل الموتى يدخنون بيوتهم بالراسن ليستلذ الموتى برائحته.

    هذا عن الموت الطبيعي أو القتل، أما الانتحار " قتل النفس " فقد حرمه زرادشت تحريماً قاطعاً، وحمل قاتل النفس " المنتحر " خطيئة كبيرة، لأن المنتحر لا يسبب الحزن والأسى لذويه فقط، ويوقع القتل بنفسه، فهو بهذا العمل يصبح عدواً لآهورا مزدا أيضاً، فإذا انتحر المرء، " قتل نفسه "، فإنه بعمله هذا ينقص فرداً من عساكر آهورا مزدا الخيرين، لذا على المرء أن يحمي نفسه وأخوته، كما يحمي السدنة النار المقدسة.

أما عن وصف الجنة وجهنم، والحياة فيهما، فقد وردت إشارات كثيرة عنهما في الأفستا والكتب الدينية الأخرى، فقد أشار زرادشت إليهما وقام بوصفهما لأتباعه، لأنه شاهد الجنة والجحيم، أثناء صعوده إلى السماء، حيث مر بالجنة، والتي تسمى في الأفستا
" وهشتم اهيما شونام " وفي الكتب الدينية " بهشت "، وتنقسم إلى أقسام، أعلاها مرتبة كروسمان، وفي الأفستا " كرونمان "، وهي منطقة في غاية الجمال، حتى أنه لا مثيل لها على الأرض، أما الجحيم " دوزنهه " فهي تقع في جوف الأرض، حيث المعادن المنصهرة المذابة، والتي سيتعذب فيها الأشرار والكفار، ثم تصبح مأوى قوى الشر والشياطين، إذ يخاطب زرادشت آهورا مزدا قائلاً:

(( أيها الحكيم، أية مكافئة تعينها للفريقين

 بنارك الموقـدة، وبالمعـدن المذاب

أعط عنها آية للأرواح

 لتسبب الضرر للخبيث والخير للعادل )) يسنا /51-9 / .

 أما الوصف الثاني لهما، فقد جاء على لسان الناسك الزرادشتي " ارده ويراف"، الذي عاش في العصر الساساني، والذي قام بالإسراء إلى السماء، بناء على طلب الملك الساساني، برحلة روحية إلى الحياة الثانية، ليصف للملك وحاشيته الجنة والجحيم، وقد وافق " ارده ويراف " على طلب الملك، فأجلسوه على منصة، وتحلق حوله كبار رجال الدين وقادة الجيش، وبعد التراتيل والابتهالات، قدموا له كأساً من الشراب المقدس " هوما "، فشربه حتى غلبه الوجد، وراح في غيبوبة حالمة استمرت سبعة أيام، وبعد أن فاق من سباته، قام بتدوين ما شاهده في رحلته، التي قاده فيها الملاك سروش.

   ويذكر " ارده ويراف " أنه وصل إلى موضع يسمى مرتبة الكواكب، وهناك شاهد مجموعة يتعذبون، لأنهم لم يركنوا إلى الزهد في دنياهم، وآخرين لأنهم لم يقرءوا الكتاب المقدس، كما شاهد في الجنة أرواح الذين احسنوا عملًا وقولاً، ويذكر ما شاهده، فيصف مرتبة الجلالة ( الكزا مزناه)، حيث السعادة في غايتها، ويصل في آخر المطاف إلى آهورا مزدا " الذي رآه نوراً ولم يره جسماً "، والذي أمره بأن يقص على الناس كل ما رآه.

    وإذا كان الفردوس لا مثيل له على الأرض، فإن الجحيم عبارة عن هاوية مظلمة تثير الرعب، تتعذب فيها الأرواح المذنبة، ويختلف عمق الهاوية حسب ما اقترفه المذنب من ذنوب، فإذا كانت حسنات الإنسان ترجح سيئاته قاسى عذاباً مؤقتاً يطهره من الذنوب، فيغادر الجحيم إلى الفردوس، وإذا كان قد ارتكب كثيراً من الخطايا وبعض الخير، فسيلبث في العذاب اثني عشر ألف عاماً، ثم يذهب إلى الجنة، التي يعيش فيها خالداً بسعادة ورخاء دون شيخوخة وموت.


 

الصـلاة

 

    تعد الطهارة ركناً أساسياً من أركان الزرادشتية، بدءاً من طهارة النفس والجسد، والعمل " إتقانه "، والقول " صدقه "، وانتهاءً بطهارة البيت، والأدوات والألبسة وغير ذلك، وكانت مراسيم الطهارة تقام يومياً، تحت إشراف رجال الدين، لإعداد الفرد لمعركة الأشرار وقوى الشر، وإذا كانت الطهارة مقدسة من أجل إبعاد قوى الشر عن الكائنات الإلهية " الآهورائية "، فإن الصلاة كانت من أهم مظاهر الطهارة، وعلى المرء أن يقدم صلاته لآهورا مزدا في أوقاتٍ محددة، وفق طقوس خاصة، طاهراً، خاشعاً، متوجهاً نحو الشمس أو النار، لا لعبادتهما بل لأنهما صفات من صفات آهورا مزدا.

     فالشمس في السماء تمثل روح آهورا مزدا، في صورة يستطيع الناس إدراكها، بما امتازت من صفات، تشبه صفات آهورا مزدا، إذ هي كائن مشرق متلألئ، تفيض على جميع الكائنات، وتبعث فيها الدفء والحياة. أما النار، فهي العنصر الطاهر المطهر، الذي يبدد الظلام ويطهر العناصر، لذا فالزرادشتي يتوجه في صلاته نحو الشمس أو نحو النار المقدسة. وعليه أن يؤدي خمس أنواع من الصلوات، وهي :

1_ صلاة الشمس: وتؤدى ثلاث مرات في اليوم، مرة عند الشروق، وأخرى عند الظهر، وثالثة عند الغروب.

2_ صلاة مهر: وتؤدى ثلاث مرات في اليوم أيضاً، بعد صلاة الشمس، وفي نفس الأوقات.

3_ صلاة القمر: وتؤدى ثلاث مرات في كل شهر، الأولى عندما يتصدر القمر كبد السماء، والثانية بعد أن يصبح بدراً، والثالثة في أواخر الشهر القمري.

4_ صلاة " اردويسوره ": وتقام في اليوم العاشر من شهر
" آبهان " عند ساحل البحر، أو البحيرات، أو بالقرب من الينابيع والسواقي، وكانوا ينحنون ثلاث مرات نحو الغرب، ثم ثلاثاً نحو الجنوب، ثم نحو الشرق ثم نحو الشمال، ويغطسون أيديهم في المياه الراكدة، ويرفعونها إلى جباههم، أما ترتيلهم فهو: " أجهز بالثناء على الفكرة التي أجيد التفكير بها، والكلمة التي أجيد قولها، والعمل الذي أجيد عمله " .

5_ صلاة آكَر بارام: وتقام خمس مرات في اليوم، وفي اليوم التاسع، آذر، من كل شهر بشكلٍ خاص ومكثف، وكانوا يتوجهون فيها نحو النار .

   وقد قسم الزرادشتيون اليوم إلى خمس أوقات وهي :

1_هاون: من الفجر حتى الظهر، 2_ رفنون: من الظهر حتى الثالثة بعد الظهر، 3_ أزيرن: من الثالثة حتى الغروب، 4_ ايو سريترم: من الغروب حتى منتصف الليل، 5_ اشهن: من منتصف الليل حتى الفجر .

أما أشهر الصلوات المقدسة فهي :

1ً _ الصلاة المقدسة " يتها اهوويئريو ": وكانت من أقدس الصلوات في الزرادشتية، تقام في بيوت النار بشكل جماعي غالباً، أما نصها فهو: (( مثلما يكون الرب قادراً وقوياً، فإن الروح
" رتو " تكون بالدرجة نفسها، قوية بطهارتها ونقائها، إن الروح الخيرة " وهومنو " هي من نصيب ذلك الشخص الذي يسلك، مثلما تفرضها إرادة مزدا، والسلطة الآهورائية، هي لذلك الشخص، الذي يساعد الدراويش، والعجزة )) .

2ً _ صلاة " اشم وهو ": ونصها المرتل هو: (( الطهارة هي أفضل نعمة، الطهارة هي السعادة، السعادة لدى ذلك الشخص الذي يطلب المثلى )) .

أما آيات الشهادة فهي:

أ _ فروانة:على كل فرد أن يرتلها عدة مرات في اليوم ليعترف بزرادشتيته: (( لرضى آهورا مزدا، أقر وأحمد على دين مزديسنا، الذي أتى به زرادشت، المناهض للشياطين، وهو مذهب آهورائي)) .  

ب _ مزديسنوا همي: (( أقر وأثبت على مذهب مزديسنا، الذي أتى به زرادشت، أحمد النية الخيرة، أحمد القول الخير، أحمد العمل الخير، أحمد الدين الخير، مزديسنا، المناهض للحرب وسفك الدماء والسلاح، وواهب السعادة والطهارة، الأكبر من كل العقائد الحالية، والأفضل والأطهر، هو مذهب الآهورائي، نعرف آهورا مزدا خالق كل الوجود، هذه هي كلمة دين مزديسنا )).

جـ_ بيمان دين: (( الدين الجديد، الصادق، والمستقيم الذي أرسله الله للبشر، هذا هو ما جلبه الطاهر زرادشت، دين روح آهورا مزدا، قانون زرادشت الطاهر، صاحب الدين الجديد، النبي الطاهر، طريق الطاهر زرادشت مهرا سبتمان، إنه روح عرف، بدون شك، بصدق واستقامة الدين الطاهر للإله )) .

    وإضافة لهذه الصلوات والآيات، كان على الزرادشتي أن يرتل يومياً مجموعة من الابتهالات والأدعية قبل النوم، وحين يصحو، وأثناء الأكل، أو الاستحمام، والمتمنطق بالحزام المقدس، أو إذا ذهب للضرورة، وإذا عطس، أو حلق شعر رأسه، وحين يقلم أظافره، وحين يضيء المصباح …وإلى غير ذلك من الأعمال التي يقوم بها الزرادشتي لنيل رضى آهورا مزدا، وإبعاد أهريمان وأنصاره عنه .

الصيام:لم تشجع الزرادشتية الصوم، بل دعت إلى الابتعاد عن الصيام، ولا سيما بالنسبة للعاملين، وخاصة الزراع، إذ وجدت أن الصائم لا يستطيع القيام بأعماله اليومية، فدعت إلى الابتعاد عن الصوم فقد ورد في الأفستا :

(( الشخص الذي لا يأكل الطعام، لا يستطيع القيام بالأعباء الدينية، لا يستطيع القيام بأعمال الزراعة، لا يستطيع أن يزيد النسل، إثر الأكل يبقى الإنسان حياً، وإثر عدم الأكل يموت )) .

النــار

آذر - آتر

 

     للنار مكانة خاصة في الديانة الزرادشتية، إذ أنها قدست بوصفها رمزاً للإله آهورا مزدا، وأحد العناصر الأكثر قدسية (( النار، الماء، التراب، الهواء ))، وقد أصبحت مرادفة أو جزء من العقيدة الزرادشتية، حتى أطلق خصومها أو الذين لم يفهموا طقوسها، على أتباعها اسم " عبدة النار ".

     وأصبح هذا الاسم مرادفاً للديانة الزرادشتية عند العرب أيضاً، الذين أطلقوا على أتباعها لقب " المجوس "، وعرّفوا المجوس باسم عبدة النار، وكذلك يطلق سكان الهند على البارسيين (( يسمى الزرادشتيون في الهند باسم البارسيين )) اسم عبدة النار، رغم النفي القطعي من الزرادشتيين المعاصرين لذلك، ورغم نفي معظم النصوص الدينية الخاصة بالزرادشتية لذلك.

 لم يعبد الزرادشتيون النار كإله، وإنما اتخذت رمزاً ملموساً مادياً للإله آهورا مزدا، الطاهر المطهر، الذي يهلك المفسدين ولا يتطرق إليه الفساد كالنار.

    وتاريخياً لم يقتصر تقديس النار على الزرادشتيين فقط، فقد كانت لها أهمية كبيرة في حياة الإنسان المادية والروحية، وكان لاكتشافها دور كبير في التطور الحضاري للإنسان، فاستخدمت للدفاع عن النفس، وفي طهي الطعام والإنارة، وصهر وطرق المعادن، وقد حيك عن اكتشافها واستخدامها العديد من الأساطير، وتحولت إلى مادة للتقديس والعبادة، بشكلها المجرد كلهب أزرق، أو بوصفها رمزاً لآلهة أخرى كالشمس أو القمر أو النجوم أو آلهة الحرب، الذين يهاجمون الأعداء كالصواعق والبرق أو كإله خاص (( إله النار ))، وانتشرت عبادة النار في معظم أنحاء العالم قديماً، واستمرت في بعض المناطق حتى وقت قريب.

   وللنار مكانة متميزة في المعتقدات الآرية القديمة، فهي في نظرهم أكثر العناصر طهارة، كلها حياة وحركة، تمثل النور الإلهي الذي يعم به الخير على الأرض، وللإله آغني، إله النار أو (( النار المؤلّهة ))، في الهند مكانة خاصة بين الآلهة الهندية القديمة، وتذهب ( الفيدا ) إلى أن غاية النار لم تكن تدفئة بني الإنسان، أو طهو طعامهم، وانما هي إهلاك الضحية المقدمة للآلهة، وتعتبر النار هبة سماوية، وقد جاء فيها: (( وذلك الذي يهيم بحرية على هواه، آغني المختبئ في أعيننا، وذلك الذي بعثه ماتاريسفان، من مكان بعيد، بعد أن أنتجه بالحك، بعثه إلينا من مقر الآلهة )).

    وقد احتفظ الميديون _ الذين ظهر من بينهم زرادشت _ بفكرة قدسية النار، بصفتهم جزء من الشعوب الآرية، ولأن النار كانت رمزاً أو ابناً للإله ميثرا، أكثر الآلهة عبادة وانتشاراً في الهضبة الإيرانية قبل ظهور الزرادشتية، وكذلك لأن النار كانت رمزاً لقدوم عيد نوروز الذي يحتفل به بإيقاد النيران، نار كاوا الحداد الذي انتصر على الطاغية أزدهاك، رمز الظلم والطغيان، وكانوا يطلقون على رجال الدين لقب ( آكَرفان _ آثروان ) أي المشرفون على النار وسدنته، وقد احتفظ رزادشت بهذا اللقب وأطلقه على طبقة رجال الدين الجديد (( مزديسنا )). وليقرب زرادشت فكرة الإله الواحد، الموجود في كل مكان، الكلي القدرة، المجرد، إلى ذهن المؤمنين، رمز له بالنار، وبالشمس، وليحافظ على احترام الآريين للنار، بجعل النار صفة أو جوهراً من جواهر آهورا مزدا التي لا تعد ولا تحصى، ولم يعبد زرادشت النار، كما لم يدع أحد إلى عبادتها، وكان من الرافضين لفكرة إنشاء معابد خاصة للنار أو لغيرها، فالحياة المثالية للمؤمن كما رسمها هي: (( أن يشيد الإنسان بيتاً فيه الماشية والزوج والولد، حيث تتوهج النار ))، ويتوجه في إحدى مناجاته إلى آهورا مزدا مخاطباً إياه : (( وإلى من تريد أن أوجه عبادتي،

 إلى نارك، بجعل القربان لها، من التمجيد لك ))…

 (( وعرفتك طاهراً يا مزدا آهورا،

وفي ذلك الوقت الذي توجه نحوي بهمن بسؤاله

بأي شيء سوف تعرف نفسك أيضاً،

(( قلت مجيباً )) مع هبة الصلاة عند نارك،

حتى ذلك الوقت سوف أستطيع التفكير فيك بالحق )).

ويقول أيضاً: ((.. إذا أردت أن تصغي إلى روح الطبيعة، فتمعن في لهيب النار بفكر مشحون بالورع  ..)) .

    وقد ربط زرادشت بين النار وأعمال الإنسان، من خلال ما يلي:

1_كما تسمو النار بلهبها نحو الأعلى، على الإنسان أن يسمو نحو الأعلى بفكره وأعماله حيث الروحانية المقدسة.

2 _كل الأجسام خاضعة للجاذبية الأرضية، إلا النار التي لا تذعن لهذه القاعدة، كذلك على الزرادشتي أن لا تجذبه الأهواء المادية والرغبات السفلية، وعليه السمو والارتقاء نحو الروحانية.

3 _ كما تمنحنا النار الضوء والحرارة، وتنير الدروب، وتتحول إلى رماد، على الزرادشتي أن يتحلى بروح التضحية والإيثار، بتعبيد طريق الخير أمام الآخرين، ويبدد ظلمات الشر في نفسه ومن حوله.

4_ كما تطهر النار العالم من رجسه، ومع ذلك تظل طاهرة ونقية، على الزرادشتي أن ينقي نفسه من الأدران والشوائب، ويطهر ما يحيط به.

5_ كما يحافظ الزرادشتي على نار موقده، وموقد المعبد ويمنع إخمادها، بتغذيتها وتأجيج لهبها، كذلك عليه تأجيج نار قلبه المقدسة، بمزيد من الورع والتقوى، وكما لا ينبغي إخماد النار، كذلك لا ينبغي إطفاء نار القلب بالرغبات المادية السفلية، لتبقى متقدة بين جوانحه.

6_ كما للنار قوة بناء وقوة تدمي ر، فعلى الزرادشتي أن يساهم في بناء العالم بالخير، أما قوته التدميرية فيجب أن يوجهها نحو قوى الشر، لتطير العالم منها .

     إلا أنه بعد وفاة زرادشت، وازدياد عدد رجال الدين، وتسلطهم على السلطة الدينية، ولإضفاء قدسية خاصة على مكانتهم ودورهم، أقاموا بيوت النار في كافة أرجاء المنطقة، ليقصدها الناس للحصول على بركة رجال الدين ورضاهم، وتفرع عدد ضخم منهم للسهر على إبقاء نيران هذه البيوت مشتعلة متأججة، وأطلق اسم النار
" Agir آكَر، أوAtar آتر "، وبالفارسية " آذر Azr"، على الشهر التاسع من الأشهر الزرادشتية، وعلى اليوم التاسع من أيام الشهر الثلاثين، ومن هنا توجه الملوك والحكام وعامة الناس إلى العناية بالنيران، سواء أكانت نيران المعابد أم نيران المنازل.

 وإذا كانت النار الملتهبة رمزاً وجوهراً من جواهر آهورا مزدا، فإن الدخان هو رمز لأهريمان، الذي ألقى بنفسه على النار لإطفائها، فأمتزج بعض عناصر خلقه _كل ما يخلق أهريمان عناصر شريرة _ مع النار، فأدى ذلك إلى إثارة الدخان منها، لذا لا يجوز السماح بتحول النار، التي ترمز إلى آهورا مزدا في بيوت النار والمنازل، إلى رماد ينبعث منها الدخان، فكان على رجال الدين والمؤمنين، الذين يرتادون بيوت النار، حمل أخشاب الصندل إليها للمساهمة في الحفاظ على النار متأججة، ليلاً ونهاراً ومنعها من الانطفاء.

    وبما أن النار تقوم بتبديد الظلام كالشمس، لذا فهي صفة لآهورا مزدا كالشمس، ومن هنا لا يجوز أن تمتزج الصفتان معاً، ولا يجوز أن تصل أشعة الشمس إلى النار المقدسة، ولأجل ذلك خصص للنار المقدسة في بيوت النار غرفة تتوسط المكان مظلمة تماماً، لا تصل إليها أشعة الشمس، أقيم فيها هيكل النار المقدسة المتوهجة على الدوام، التي يشرف عليها الموبد مع عدد من الهرابذة، الذين يعملون تحت إمرته، والذين يغذون النار في طقوس خاصة، من خلال تلاوة نصوص من الأفستا، أو ترتيل الأدعية والصلوات الخاصة، وبعملهم ذاك، كانوا يقومون بطقوس تطهير النار من الدنس، الذي ألحقه بها أهريمان عندما رمى نفسه فوق النار، فامتزج جزء منه بالنار وهو الدخان، لذا يحاول جميع المؤمنين، كل من جهته، في إبقاء النار اللاهبة الزرقاء متقدة، لتطهيرها من الدنس .

    ونظراً للأهمية التي أعطاها رجال الدين للنار في العصور اللاحقة لوفاة زرادشت، انتشرت فكرة أن ذهاب الزرادشتي ثلاث مرات في اليوم إلى بيت النار، وترتيل دعاء خاص أمام النار الملتهبة، سيوفر له ذلك الظفر بالمال والسعادة الروحية، لذلك كانت وفود وأفواج المؤمنين تعم بيوت النيران، محملة بالهدايا والمنح لبيت النار ولرجال الدين.

     ولم يكن ملوك الفرس أو قادة الجيوش يسيرون إلى حملة أو حرب أو رحلة، إلا وتتقدم مواكبهم المشاعل المقدسة، ومحاريب النار، كما كان لكل أسرة موقدها الخاص، وتعمل على أن تظل نار بيتها متقدة لا تنطفئ أبداً، لأن انطفاء النار معناه بؤس الأسرة واضمحلالها.

     وكانت مشاعل النيران ترفع في الساحات العامة، وعلى قمم الجبال والمرتفعات، في الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية، وخاصة في عيدي نوروز والمهرجان، وهناك أعياد خاصة بالنار تشعل فيها النيران على الجبال والمرتفعات التي تحيط بالمدن والقرى، وأهمها عيد
" آذر جزن – جشن " عيد النار، في السابع من شهر يور، وهو الشهر السادس في السنة الزرادشتية، وفيه كانوا يوقدون النيران العظيمة على بيوتهم ويكثرون من حمد الله وشكره، ويجتمعون على الأكل والفرح، وهناك عيد آخر للنار، وهو عيد ساذك في العاشر من شهر بهمن، الشهر الحادي عشر من السنة الزرادشتية ( وقد سماه العرب في العهود الإسلامية عيد الوقود )، كانوا يحتفلون بها مع الزرادشتيين، وكانوا يشعلون فيها النيران، ويلعبون حولها، ويبخّرون لطرد المضرّة، (( ففي عام 232هـ/935م، احتفل أمير بلاد الجبل في غرب ايران، القائد مرداويج، وأمر قبل ليلة الوقود بمدة طويلة أن يجمع الحطب من الجبال والنواحي البعيدة، وأن ينقل إلى وادي بزوين روز، قرب أصفهان، وأمر بجمع النفط والنفاطين، والشموع الضخمة، ولم يبق جبل مشرف أو تل ظاهر إلا وضعت عليه الأحطاب وتماثيل الشمع، وفي ليلة الوقود عندما شاهدها القائد مرداويج، وجدها قليلة ليست بأهمية العيد فدخل خيمته حزيناً ولم يغادرها )).

وهناك خمسة أنواع من النيران هي:

1_ آذر بهرام: وتسمى نار المعابد، وهي النار التي ينتفع بها الناس عامة .

2_ آذر " وهو فريانة ": وهي النار (( الطاقة )) التي في جسد الإنسان والحيوان .

 3_ آذر (( وازيسته )): وهي النار " الطاقة، القوة " التي توجد في النباتات والأشجار .

4_ آذر " اوزيستا ": وهي النار الكامنة في السحاب والصاعقة .

5_ آذر " سبنيشته ": وهي النار التي تشعل أمام آهورا مزدا في الجنة .

وكما أن للنار أنواع، فقد كانت هناك ثلاث بيوت رئيسة للنار في الدولة، لكل منها نارها المقدسة الخاصة، وهي محج للطبقة الخاصة بها

أ_ بيت نار رجال الدين " آذر فروبغ ": في مقاطعة كاريان في وسط بلاد فارس، وهذا المعبد كان يحتوي على النار المقدسة التي لا تنطفئ، والتي يوقد منها كل بيوت النيران، ويحج إليه رجال الدين من جميع أنحاء الدولة، وعندما تنطفئ النار في أحد البيوت الصغيرة، أو يتم بناء بيت جديد، أو ترميم بيت قديم، كان رجال الدين ينقلون النار من هذا البيت. ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن هذا المعبد ربما تم بناؤه على فوهة بئر نفطي ينبعث منه الغاز، لذلك كانت نيرانه مشتعلة باستمرار.

 ب_ بيت النار الملكي الكبير " أذر كشسب ": في أذربيجان بين اورمية وهمذان، وهو بيت نار الأبطال الشجعان، طبقة المقاتلين، ويقع على قمة جبل أزنوند، قرب سواحل اورمية، مسقط رأس زرادشت، ويحج إليه المحاربون والملوك وقادة الجيش .

جـ _ بيت نار الزراع " آذر برزين مهر ": على قمة جبل ريونت في خراسان شرق إيران، وهو خاص بالزراع والفلاحين والحرفيين، الذين كانوا يحجون إليه .

    وإذا كانت للنار في الزرادشتية أنواع وبيوت خاصة لكل طبقة، فكذلك كان لها تأثير ( إيجابي أو سلبي _ علوي أو كثيف ) على الطبقات الاجتماعية الأربع في المجتمع :

1ً- طبقة رجال الدين آثروان ((  Athravan)): بما أن التطور الروحي لهذا الصنف من البشر في الذروة، فقد وصلت الطاقة النارية فيهم إلى أوجها، وهؤلاء يوائمهم أداء الطقوس والشعائر الدينية الزرادشتية، وطاقة هؤلاء علوية إيجابية .

2ً- طبقة الزعماء المحاربين ارتشتاران (( Rathaetav )): وهذا الصنف من الناس أدنى مرتبة من رجال الدين ( آثروان ) من حيث التطور الروحي، فتؤثر فيهم الطاقة النارية، فمن استحوذت عليه النار العلوية (( الروحية _ فوق المادة )) حارب ذوداً عن القضايا النبيلة، وحماية بلاده وخدمة الضعفاء والأبرياء، أما إذا هيمنت عليه الطاقة النارية من النوع الكثيف " المادي " التي تغذي الإنسان والحيوان والجماد، وتؤهلها للحياة وتمدها بأسبابها، أصبح جندياً مرتزقاً، أو لصاً، أو قاطع طريق يفسد في الأرض .

 3ً_طبقة الزراع كشاورزان ((vatryosh)): وهؤلاء أدنى رتبة من الصنف المقاتل في التطور الروحي، والطاقة النارية التي تؤثر فيهم هي من النوع العلوي اللطيف، فمن استحوذت عليه هذه الطاقة، كان مزارعاً ناجحاً يجلب الخير والرخاء لبلاده، أما إذا كانت الطاقة المؤثرة فيهم من النوع الكثيف " المادي السلبي "، كانوا وبالاً على بلادهم، ولن يجلبوا لها سوى المتاعب، وسيحملون الناس الأعباء الجسام .

4ً_طبقة الحرفين هوتخشان (( Hutokhash )): وهم دون المستويات السالفة الذكر، والطاقة النارية المؤثرة فيهم إذا كانت من
النوع اللطيف، ألفيتهم جادين في فنون ومهن وخدمات سامية ونزيهة، مخلصين في أعمالهم وغلبت عليهم العفة والأمانة،
وإذا كانت الطاقة من النوع الكثيف " المادي السلبي "، وجدتهم لا يفكرون إلا في كسب المال، تملأ نفوسهم الرغبات والأهواء والأنانية.

     وبعد أن كانت النار رمزاً لآهورا مزدا، أطلق عليها في العصور المتأخرة اسم ابنة آهورا مزدا، وأهم الأدعية التي تتلى أمام النار كانت

 (( آه ..أيتها النار يا ابنة آهورا مزدا،

امنحيني سعادة خالصة وقوة تحض الطهارة

 وحياة زاهية وبهجة نقية، وزاداً وافياً كاملاً،

من أجل روح الكلمة الخيّرة، وحكمتها وجلالها وبأسها،

التي ستتعاظم، وستتنامى في نفسها فيما بعد، ولا تذوي أو تضمحل،

آنذاك امنحيني الشجاعة أيتها النار، يا ابنة آهورا مزدا

امنحينا مرشداً معلماً، يسعه أن يعلمنا كل ما يمت إلى الخير

 ويجلب لنا الرغد، الآن وإلى الأبد .

ثم هيئي لنا أفضل الحالات من الطهر، والإشراق والتألق،

فلعلنا ننال ذاك المعلم مقابل الطهارة والورع والتقوى

 التي تزخر بها الروح .

تأججي في هذا المنزل إلى الأبد، توقدي دائماً في هذا البلد

اسطعي في هذا البيت، وليزد تسعركِ في هذا الزمن المفعم بالأحياء،

و بالإحياء  الكامل للعالم …… ))

 وكما كانت النار عنصراً مقدساً، فكذلك الماء والتراب، وهما أيضاً صفات أو جواهر لآهورا مزدا، فالماء مقدس لا يجوز تدنيسه، ومن هنا قدست مياه الأنهار والجداول والينابيع والبحيرات والبحار، وحرمت الزرادشتية غسل الأجسام النجسة بالماء، لأنه طاهر مقدس، كما منعت غلي الماء للاستحمام، وفرضت الاستحمام بالماء البارد، لذلك منعت الدولة الساسانية بناء الحمامات في المدن الخاضعة لها، لأنها تقوم على تسخين المياه للاستحمام، وإذا مات أو غرق شخص في البحر أو النهر أو حوض ماء، فالماء هنا ليس مسؤولاً عن موته، لأن الماء عنصر رئيسي من عناصر الحياة التي تخوض نضالاً مريراً ضد الموت، فعندما يغرق الإنسان في الماء ينتصر الموت مؤقتاً، فيحتضن الماء الجثة، ويرميها على الحافة أو الشاطئ، ويعود إلى طبيعته في بث الحياة في الأحياء.

    وكذلك الأمر بالنسبة للتراب، فهو عنصر مقدس لا يجوز تدنيسه بدفن الموتى مباشرة فيه، كما لا يجوز ترك الأرضي الزراعية بوراً، فإحياء الأرض البور من الواجبات المقدسة، وعدت الزرادشتية العمل الزراعي واستقرار البدو والسكن في القرى والعمل في الزراعة، أفضل الأعمال قدسية عند آهورا مزدا.

 

 


 

الـعَـمَـل

 

    قدست الديانة الزرادشتية العمل، ورفعته إلى مصاف العبادة، فالحياة هي معركة غير قابلة للانقسام داخلياً، ضد الغرائز الشريرة، وخارجياً ضد عمل قوى الشر والظلام، وبالعمل الصالح يتقرب المرء من آهورا مزدا، ويساعد قوى الخير على قوى الشر، وتطهير العالم منها، هذه القوى التي تتصيد المحتاجين والفقراء والضعفاء، وتستغل حاجاتهم لتدفعهم إلى طريق الضلال.

    فدعا زرادشت في تعاليمه، ومن خلال أناشيده، إلى الاستقرار والعمل وخاصة في مجال الزراعة وتربية الحيوانات، وهما الحرفتان الرئيستان في عهده، لأنه بالعمل وحده يستطيع الإنسان أن يؤمن متطلبات العيش، ويبتعد عن ذل الحاجة والسؤال.

      وقد ركز زرادشت اهتمامه على الزراعة، التي وجد فيها أساس الاستقرار والعمران والرقي، لأنه وجد أن الرعي والتنقل والترحال، وما يرافق ذلك من صراعات وغزوات وحروب على المراعي، بالإضافة إلى صعوبة حياة الرعي والتنقل، لا توفر موارد ثابتة وكافية للحياة، وبالتالي ينحرف المرء إلى طريق الضلال أثناء سعيه الدؤوب عن رزقه ورزق مواشيه، فالعمل في مجال الزراعة لم يعد ظاهرة اقتصادية فحسب، ولكن حدثاً أخلاقياً ودينياً أيضاً، وبها لم يعد الإنسان خاضعاً للطبيعة بسهولة، لا بل يشارك كمسؤول في الخلق أيضاً، فنرى آهورا مزدا يخاطب نبيه قائلاً:

(( يا زرادشت المجيد: من يزرع على هذه الأرض، تقول له الأرض: يا من عملت على وجهي عملاً، سأظل به في المستقبل مثمرة، وسأبقى واهبة النعمة، خذ مني أحمالاً، وخذ منها معاشك ...

     أما أنت يا من لا تزرع على وجهي شيئاً، ولم تعمل عملاً، عليك أن تقف في المستقبل خلف الآخرين، وتستنجد بهم، ولا يصيبك من موائد الذين هم في رغد العيش، وفي ž